القدس المحتلة- غزة/ دعاء الحطاب:
وحيداً يجلس داخل غرفة مظلمة باتت عليه أضيق من أنفاسه، يقلّب بعيونه اللامعة من شدة الحزن صوراً التقطها من داخل باحات المسجد الأقصى المبارك، وأخرى تجمعه بأطفاله الثلاثة، لعلها تُخفف من لوعة شوقه لضحكاتهم البريئة وتُعيد ذكرياتهم الجميلة، وحينما يغلبه الحنين يسارع للالتقاء بهم عبر "اتصال فيديو" يستمر لساعاتٍ طويلة، أملاً بالانتصار على ظلم وقهر الاحتلال الإسرائيلي.
فمنذ سنواتٍ طويلة يتعمد الاحتلال سلخ الصحفي المقدسي عنان نجيب (47عاما) عن محيطه الاجتماعي، والبيئة التي ولد وترعرع بها "بلدة بيت حنينا"، بإصدار عدة قرارات جائرة بحقه، كان آخرها قرار في التاسع من الشهر الجاري يقضي بإبعاده لمدة ستة أشهر عن مدينة القدس إلى الضفة الغربية، للمرة الثالثة.
ولم تقتصر محاولات سلطات الاحتلال باقتلاع جذور "نجيب" من مسقط رأسه فحسب، ففي عام 2010 وجّهت إليه تهمة قيادة "الحراك الشبابي العنيف" في القدس، والانتماء لحركة الجهاد الإسلامي، واعتقل على إثرها نحو خمسة أعوام داخل السجون الإسرائيلية، وتم إبعاده عن مسقط رأسه لخمسة أشهر ألحقتها مخابرات الاحتلال بستة أخرى فور انتهائها.
توجه "نجيب" حينها إلى بلدة العيزرية شرقي القدس خلف الجدار العازل، وتمنّى ألا تتكرر التجربة التي أنهكته وأسرته بسبب البعد القسري عنهم، لكنه يجد نفسه الآن يكابد المعاناة ذاتها والتي لطالما حاول دفنها بين ثنايا الذاكرة.
حياة الإبعاد
بينما كان منهمكاً في إعادة ترتيب حياته اليومية التي بعثرها الاحتلال، إذ أجبره الأخير على مغادرة القدس فور تسلمه قرار الإبعاد ولم يمهله أي فترة لترتيب احتياجاته اللازمة للمغادرة، يروي معاناته لـ"الاستقلال":" الاحتلال يضرب حياة المقدسي من كافة النواحي في عقوبة الإبعاد، ولا يعطيه مهلة حتى لترتيب احتياجاته اليومية اللازمة للمغادرة، أو تدبير منزل آخر ينتقل إليه بعد الإبعاد".
ويعيش "نجيب" مع زوجته وأطفاله بالقدس في منزل مستأجر، واضطر الآن لاستئجار منزل آخر في بلدة العيزرية بسبب إبعاده، الأمر الذي يثقل كاهله في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
ويتابع بغصة تعترض صوته:" خسرت مصدر رزق أطفالي، فأعمل في مجال الإنتاج الإعلامي من القدس وأبيع المواد الإعلامية للفضائيات، وأنا الآن مبعد خارج القدس ولا يمكنني العمل"، مستدركاً:" كما أنني مضطر لدفع إيجار منزلين، ومبعد قسرا عن أبنائي الثلاثة".
ولا يمكن لعائلة "نجيب" الانتقال للعيش معه في الضفة الغربية، لأن ذلك يعرضهم لسحب الهويات بعد ملاحقة "مؤسسة التأمين الوطني" لهم وإثبات أن مركز حياتهم بات خارج القدس، كما لا يمكن لعنان الوصول للقدس طيلة فترة إبعاده وتم تسليمه خارطة مع الإبعاد تحدد له المسار الذين يمكنه التحرك به حتى نهاية العام الجاري.
"الحياة صعبة للغاية فهي أشبه بحياة السجين، أنا أعيش في مكان وعائلتي وأبنائي في مكان آخر، لا أستطيع مشاركتهم في أمور حياتهم، فقدت مصدر رزقي، لكن عزاؤنا الوحيد إيماننا أن المقدسي يجب أن يدفع فاتورة انتمائه"، بتلك الكلمات حاول "نجيب" تلخيص حياته خارج القدس.
ويفضل "الأسير المحرر" أن يقضي عقوبة الإبعاد وحيداً على أن تغادر أسرته مدينته التي تسير كالدم في الوريد، وأن يتحقق هدف الاحتلال باقتلاعه من القدس. حسب نجيب.
اقتلاع جذور المقاومة
عدة جولات من الاستدعاء والتحقيق خضع لها "نجيب" قبل قرار إبعاده الأخير، لكن مع عجز مخابرات الاحتلال تثبيت تهمة عليه وجدت "الإبعاد" طريقاً سهلاً لمعاقبة "الأسير المحرر"، وهو ما لم يكن يتوقعه هذه المرة، وفق قوله.
ويعتقد "نجيب" أن قرار إبعاده يأتي في إطار السياسية التي يمارسها الكيان "الإسرائيلي" من أجل إفراغ مدينة القدس من الشخصيات والرموز المؤثرة والفعالة على الساحة الفلسطينية، تمهيداً لتمرير مخططات تهويديه جديدة.
وأكد أن الاحتلال واهمٌ في اعتقاده أن إبعاد المقدسيين واعتقالهم سيقتلع جذور المقاومة من مدينة القدس، فلا يمكن القضاء على فكر المقاومة بالقضاء على شخص.
مهب الرياح
ومنذ اللحظة الأولى التي تلقى بها "نجيب" قرار الإبعاد إلى الضفة الغربية، توقع أن يجد بالمنفى حاضنة من قبل مؤسسات السلطة الفلسطينية أو من أبناء جلدته تُعينه على ويلات العيش وقسوة الحياة، لكنه تُرك في مهب الريح كمصير كافة المقدسيين المبعدين.
ويقول المقدسي المبعد: الأصل أنه حينما يتم إبعاد شخص ما أن يجد حاضنة شعبية أو حاضنة رسمية تخفف عنه أعباء الحياة، لكن للأسف "لا نجد ذلك ونُترك في مهب الريح، لأننا لا ننتمي للحزب الحاكم بالسلطة".
ووجه "نجيب" رسالة إلى المؤسسات الرسمية الفلسطينية وقيادة السلطة الوطنية مفادها " أن المقدسيون هم أبناء جلدتكم وعماد شعبكم، لا يجب أن تتركوهم فريسة للاحتلال و سياساته الظالمة، فهذا عار سيكتب في سجلكم".


التعليقات : 0