جميل عبد النبي
قد لا نستطيع أن ننفي احتمالية وصول الأوضاع في غزة إلى لحظة الانفجار، حيث تبدو كل عوامل الانفجار وقد توافرت وأكملت بنيانها، وما من مراقب محايد يمكنه أن يجري دراسة حقيقية على طبيعة واقع الناس في غزة، إلا وسيخرج بحتمية، أو على الأقل، احتمالية الوصول إلى نقطة الانفجار.
نحن مثلا أمام جيش جرار من الخريجين الجامعيين، الذين لا يرون في المستقبل القريب، أو حتى البعيد، أي بصيص أمل لاستيعابهم ضمن الماكنة التشغيلية المتواضعة المتوفرة في قطاع غزة، والتي تزداد ضيقا يوما بعد يوم، بدلا من توسيعها طبيعيا مواكبة للتزايد الطبيعي فيمن يحتاجون إلى العمل ويستحقونه، ما يعني أن حالة من الإحباط الشديد لا بد وأن تسيطر على هؤلاء العاطلين، الذين لا يخلو منهم بيت من بيوت قطاع غزة، وللحق فإن كل بوادر الإحباط كانت بادية في الافق منذ سنوات، لكن أحدا ممن يتولون إدارة الحياة العامة لم يلتفت لها، أو على الاقل لم يقدم خططا حقيقية لحل مشكلة كبيرة بهذا الحجم، ودائما كان مبرر المتنفذين موجها تجاه الحصار والاحتلال، وغيره من المبررات التي تعفيهم من مسئولية البحث عن حلول.
ولئن كانت كل المبررات التي يمكن سوقها لتبرير حالة العجز في هذه القضية كافية للاقناع المؤقت، إلا أنها لا تعني على الارض توفيرا حقيقيا لاي أمل لحل المعضلة، وربما العكس هو الصحيح، حيث تتفاقم المشكلة سنة بعد سنة، ويتضاءل معها الشعور بالرضا عن التبريرات، خاصة وأن حاجات إنسانية أولية لا يمكنهم استبدالها بدعوات الصبر ومبررات الحصار.
ولقد تحول هذا الجيش من العاطلين إلى قنبلة موقوتة، قد لا تجد أي مشكلة في الذهاب للمجهول، طالما لم يمنحها المعلوم اي أمل يمكنهم التمسك به، وما يزيد هذه المشكلة تفاقما، أن فكرة المغادرة إلى خارج الوطن بحثا عن اي مستقبل، بدأت أيضا تتضاءل، خاصة بعد ما أحدثته ثورات ما يسمى بالربيع العربي، والتي أنهكت العديد من دول المنطقة، وصرفت أولوياتها في اتجاه إعادة بناء ما دمرته السنوات السبع العجاف السابقة، أو احتواء ما تبفى من نتاجات الازمة التي لم تنته بعد، هذا إضافة إلى أن مستوى التعاطف مع الموضوع الفلسطيني لم يعد هو ذاته، والأولوية الآن لم تعد تتسع للفلسطينيين.
نحن إذن أمام حالة من انسداد كل أفق يمكن أن يعطي أملا في حياة افضل لجيش الخريجين العاطلين عن العمل، وإذا أضفنا إلى كل ما سبق، طبيعة التساؤلات التي باتت مطروحة الآن ومتداولة من قبل هؤلاء الشباب، حول قيمة ما يتم سحق جيلهم لأجله، إن كان بالفعل يستحق كل هذه التضحية ام لا، فإننا سنصل حتما إلى صورة سوداوية، لن تستطيع كل محاولات التجميل إخفاءها.
وما قلناه عن الخريجين ينطبق كاملا وبصورة أشد ضراوة، على أعداد مشابهة تقريبا، لعاطلين آخرين لم تمنحهم الحياة- لأسباب متعددة- فرصة إكمال مسيرتهم التعليمية، لكنهم أيضا يحتاجون للحياة، ويرغبون كما غيرهم من البشر في تكوين أسرهم الخاصة، والانطلاق نحو المستقبل، ولعل بعضهم فعلا قد غامر بتكوين اسرة، مكتفيا بالقليل الذي يمكنه تحصيله، من خلال اللجوء إلى أعمال متدنية، وبأجور متدنية، معتمدا على دعم جانبي يقوم به الاهل المنهكون أصلا جراء الرواتب التي لم يتم تطويرها، وفقا لما يسمى بجدول الغلاء المعيشي، بل وأصابتها تقليصات كثيرة، ليس آخرها إحالة الآلاف منهم إلى ما يعرف بالتقاعد المبكر.
الكهرباء أيضا، وفاعليتها المخيفة في تعكير صفو أجواء الناس النفسية، وتكدير لحظات سعادتهم، التي بالكاد يمكنهم التقاطها وسط هذا الزحام من المنغصات، والأدهى أن مشكلة الكهرباء تكاد تلامس في تعقيداتها المصطنعة، تعقيدات جوهر القضية الفلسطينية!!! حيث لا أمل في حل قريب يمكنه أن يعالج هذه الازمة، والمطروح الآن هو لجوء المواطن- منفردا وبدون أي مساعدة من الحكومة- لحلول فردية، كالبحث عن وسائل الطاقة البديلة التي لا يملك أكثر من 95% من سكان قطاع غزة ثمنها.
ما يسمى بالاقتصاد الخاص أيضا، والذي طالته آثار كل أزمات غزة، ويشكو بعضه بصوت مرتفع الآن بانه لم يعد يفضل العمل وفق المعطيات المتوفرة في غزة، خاصة أيضا بعد اقتحام ساحته من قبل اقتصاديات الفصائل، التي نافسته في المربع الخاص به.
وعلى رأس كل ما سبق، فإن انسداد الأفق السياسي، وعدم وجود ما يمكن تأميل الناس به، كنتائج ضرورية لمعاناتهم، بل، إن أقصى ما يتم الترويج له الآن في غزة، كاستحقاقات يمكن تقديمها كنصر لبرنامج صمود غزة، وسيتوج صبرهم الطويل، هي مجرد امتيازات كانت بين أيديهم، قبل الانقسام البغيض، وما كانت بحاجة إلى إحداث كل هذا التفسخ السياسي والمجتمعي، الذي يهدد مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
تجنبا للإطالة سنكتفي بما سبق، موقنين أن الكثير يمكن إضاقته، والاستدلال به كمؤشرات على حالة ما قبل الانفجار.
ونظن أن لا أحد في غزة يتمنى تفلتا غير محسوب، يمكنه ان يسيء للجميع، وعليه فإننا نوجه نداءنا إلى الجهات المتنفذة، أن لا شيء يستحق إهانة المواطن، ولا الوصول به إلى حالة من العدمية، التي تكاد تجعله يرى كل شيء اسود لا أمل فيه.
أنقذوا غزة قبل أن نصل إلى لحظة لا ينفع فيها الندم، والمسألة لا تستدعي سوى تنازلات حزبية، ليست أهم من حاجات المواطن، وليس من حق أي جهة، أن تنصب نفسها مسئولة عن شعب، ثم تتجاهل حاجاته ومعاناته.
وختاما فإن المسئولية لا تقع فقط على كاهل طرفي الانقسام، بل إن كل الفصائل والجهات الرسمية تتحمل جزءا من المسئولية بشكل أو بآخر


التعليقات : 0