غزة/ دعاء الحطاب:
في صباح اليوم التالي لإعلان نتائج الثانوية العامة للعام الدراسي 2019-2020، غادرت الطالبة المتفوقة صفاء ياسين منزلها، متجهةً بكل ثقة وطمأنينة إلى جامعة فلسطين بمدينة غزة للاستعلام عن تخصص "طب الأسنان" الذي طالما حلمت بالالتحاق به منذ الطفولة.
وأعلنت وزارة التربية والتعليم في 11/7/2020، نتائج الدورة الأولى لامتحان الثانوية العامة، التي عُقدت هذا العام في ظلّ تحديات استثنائية مرتبطة بالمشهد الكوروني.
بعد دقائق من الانتظار في طابور الطلبة، وقبل الانتهاء من الاستعلام عن دراسة التخصص الذي تتمنى (طب الأسنان)، كانت المفاجأة، حيث أخبرها الموظف أن رسوم الساعة الدراسية الواحدة تبلغ "100" دينار أردني، وأن الحد الأدنى للفصل 17 ساعة، وهو ما يعادل 1700 دينار، فكان وقع الخبر عليها كما السيف الذي أُغمد في قلبها، فلم تستطع إخفاء دموعها، كونها تعي تماماً الوضع المادي الصعب الذي تعيشه عائلتها منذ سنوات.
"ياسين" واحدة من عشرات الطلبة المتفوقين بالثانوية العامة الذين تحطمت أحلامهم على صخرة الظروف الاقتصادية، فمنهم من اضطروا إلى اختيار تخصصات بعيدة عن رغبتهم لتتناسب مع أوضاعهم المادية، وآخرون أُجبروا على تأجيل الالتحاق في الجامعات الفلسطينية لحين تحسن الظروف المادية لأسرهم.
ويكابد الطلاب مرارة كبيرة في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية والمالية المتكررة التي تطال أهالي القطاع بأكمله، منذ قيام السلطة الفلسطينية بخصم50% من رواتب موظفيها في قطاع غزة وإحالة آلاف الموظفين إلى التقاعد بالإضافة إلى الحصار "الإسرائيلي" المفروض على القطاع منذ أكثر من (13عاماً)، فجميعها ألقت ظلالها على كافة شرائح المجتمع الغزي وجعلت أولياء الأمور غير قادرين على دفع الرسوم الدراسية.
أحلام ذهبت أدراج الرياح
وتقول ياسين خلال حديثها لـ"الاستقلال":" منذ سنوات طويلة أنتظر لحظة تفوقي بالثانوية العامة كي أحقق حلمي بدراسة "طب الأسنان"، فحصلت بفضل الله وبعد جهد وتعب كبيرين على معدل 96% بالفرع العلمي، لكن للأسف انتهى حلمي قبل أن يبدأ، بسبب ارتفاع رسوم الساعة الدراسية لتصل 100 دينار"، لافتةً إلى أن الجامعات لا توفر منحاً للطلبة المتفوقين الراغبين بالالتحاق بالتخصصات الطبية.
وأضافت بحسرة:" الظروف المادية والمعيشية قاسية جداً علينا، فوالدي موظف سلطة وبسبب أزمة الرواتب وتفاقم الأزمات الاقتصادية بالقطاع، بات لا يستطيع توفير الرسوم الجامعية اللازمة لإكمال دراسة شقيقي في كلية الهندسة، فكيف سيوفر رسوم دارستي أيضا؟".
وأضحت ياسين أنها بقيت أمام خيارين، إما الالتحاق بتخصص لا يتلاءم ورغبتها، أو إيقاف مسيرتها التعليمية إلى حين تحسن الظروف المادية لأسرتها، قبل أن يقع الاختيار أخيرا على الالتحاق بتخصص "مساعد طبيب أسنان" حيث يبلغ سعر رسوم الساعة الدراسية 25 دينار، بتكلفة فصلية تصل لـ 425 دينار.
وأكدت أن الكثير من صديقاتها حصلن على معدلات عالية في الثانوية العامة، إلا أنهن أُجبرن على الالتحاق بتخصصات بعيدة عن رغبتهن كي تتناسب مع الظروف المادية لأسرهن، وبعضهن حرمن من الدراسة، مضيفة: "مستقبلنا أصبح في مهب الريح، نتيجة الأوضاع المادية".
تأجيل الدراسة
ورغم فرحتها بنجاحها وتفوقها بالثانوية العامة، إلا أن الطالبة نور الهدى أبو شمالة، ارتسمت على وجهها علامات الحزن والضيق لاضطرارها لتأجيل الالتحاق بالجامعة، لعدم مقدرة عائلتها على تغطية تكاليف الدراسة في ظل الأوضاع المادية الصعبة التي أثقلت كاهلهم.
وحصلت أبو شماله على معدل 80% في فرع الأدبي، ومنذ نعومة أظافرها لقبت نفسها بالمحامية، غير أن ظرف العائلة الاقتصادي وتعطل والدها عن العمل حال دون مقدرتها على دفع مبلغ (300 دينار) أردني، كرسوم تسجيل للفصل الدراسي الأول في كلية القانون، أو حتى توفير قسط منها.
وتقول أبو شمالة خلال حديثها لـ"الاستقلال": "منذ صغري وأنا أحلم بأن أكون محامية، فكنت أجتهد كثيراً من أجل تحقيقه، وبالفعل حصلت على معدل 80% في الثانوية العامة الفرع الأدبي، وشعرت وقتها بفرحة لا يمكن وصفها، لكن لم أتوقع أن أُحرم من الدراسة بسبب قلة ما في اليد".
وبحرقة وألم، بيّنت أبو شمالة: "وضعنا المادي لا يسمح بدفع 20 ديناراً للساعة الدراسية الواحدة، خاصة بعد تعطل والدي عن العمل، نتيجة إغلاق المحل التجاري الذي كان يعمل به، وتراكم الديون عليه في ظل الأزمة المالية التي يعاني منها القطاع".
وفي نهاية حديثها، أكدت أنها ستبقى تنتظر تحسن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لعائلتها كي تتمكن من تحقيق حلمها، متمنية من إدارة الجامعات الفلسطينية تخفيض سعر رسوم الساعة لكافة التخصصات كي يتمكن الطلبة من استكمال مسيرتهم التعليمية.


التعليقات : 0