التحليل السياسي- عامر خليل
يدخل المشهد الفلسطيني عنق الزجاجة وطريقا اكثر انسداداً مع انغلاق افق انهاء ازمات غزة من خلال التوافق الفلسطيني - الفلسطيني والولوج الى صيغة داخلية سياسية نحو انهاء الانقسام وقد جاء الجدال حول انعقاد المجلس الوطني ليزيد المشهد تعقيدا فبدلا من ان يكون مدخلا لتحريك وتفكيك الازمات بات جزءا من الجدال والخلاف عبر الاستفراد بانعقاده دون مشاركة كل القوى الفلسطينية الفاعلة ووفق قاعدة متفق عليها اضحى من غير المفهوم ان تتحرك السلطة الفلسطينية بهذا النهج في وقت تتعرض القضية الى مخاطر جمة وكثيرة يراد في نهايتها انهاء الحالة الفلسطينية المقاومة ووضع حلول تصفوية تنتقص من الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني وتضع المشروع الوطني الفلسطيني امام علامة استفهام كبير.
كانت ثورة المقدسيين الشهر الماضي محطة مهمة في نضال الشعب الفلسطيني لجمع قواه حول الاقصى واختفت كل القضايا والمناكفات الداخلية وكان الامل معقودا على ان تتنج الحالة التي نشأت تحولا نحو استجماع كل الجهود حول قضايا الصراع مع الاحتلال لتأتي مسألة عقد المجلس التشريعي وتفجر الخلاف وتكون مدخلا لعودة الجدال حول سبل انهاء الانقسام وكل ذلك يؤكد ان الصراع مع الاحتلال يدفع نحو الوحدة ودونه فان الالتفات والانشغال سيكون بالوضع الداخلي والقضايا الحياتية التي تثقل كاهل الشعب الفلسطيني في ظل تحكم الاحتلال في كل مفاصل الحركة والمعابر وهدمها لكل مقومات الاقتصاد الفلسطيني.
لا شك ان التحركات الامريكية في سياق عملية التسوية تأتي على خلفية المشهد الفلسطيني المأزوم وتغول حكومة الميين الاسرائيلي في الاستيطان والعنف ضد الشعب الفلسطيني ومن هنا فان ما يطرحه المبعوثان كوشنير وغرينبلات لا يتطرق الى قضايا الصراع الاساسية وانما تحولا لناقلين للمطالب الاسرائيلية غير المتعلقة بهذه القضايا والتفاهم مع نتنياهو على ما يطرحانه امام السلطة الفلسطينية بحيث تحولت مسألة مخصصات الاسرى ومزاعم التحريض الى قضية اساسية في جميع جلسات البحث بل واشهرت أوراق التهديد بقطع المساعدات الامريكية وتمرير قوانين بهذا المعنى في الكونغرس.
في المقابل كثفت دولة الاحتلال من مشاريع الاستيطان والتهويد واعلنت عن مناقصات جديدة للبناء في القدس والضفة المحتلتين وبدأت عمليات الهدم في حي البستان بسلوان ومررت مشاريع قوانين تتعلق بالاستيطان والقدس فيما يسمى قانون القدس الموحدة لربط 150 الف مستوطن من مستوطنات الضفة المحتلة بالقدس واخراج 100 مقدسي عن النطاق البلدي بالقدس وبالتالي تغيير التركيبة الديمغرافية التي تميل للفلسطينيين الى جانب المستوطنين ورغم ذلك فان ادارة ترامب لم تدن الانشطة الاستيطانية الاسرائيلية كما اعتادت الادارة السابقة في رسالة واضحة لحكومة نتنياهو لمواصلة الاستيطان بل وزار السفير الامريكي في تل ابيب دانيال فريدمان المستوطنات وشارك فيما يسمى احتفالات توحيد القدس المحتلة، وامام ذلك فان الجهد الأمريكي تحول الى روتين سياسي من الزيارات يخدم دولة الاحتلال ويتيح لها وقتا اضافيا لاستكمال التهويد والاستيطان فيما الافق السياسي للولوج الى قضايا الصراع يتبدد مع التنصل الامريكي من حل الدولتين.
الزيارات الامريكية تأتي في سياق اخر لا يضع الموضوع الفلسطيني في سلم اهتماماته فالتحرك الامريكي واضح في اتجاه تهيئة الاجواء امام الوصول الى تفاهمات عربية اسرائيلية ضمن ما يسمى "صفقة القرن" لفتح علاقات بين دول الخليج والكيان الاسرائيلي وجعل الزيارات الشكلية لرام الله والحديث عن السلام دون موقف من تغول سرطان الاستيطان جسرا لتنفيذ المخطط الامريكي فالتطبيع هو المطلوب مع اطلاق وعود امريكية فارغة بالتوصل الى تسوية سياسية، وفي هذا السياق يأتي تسخين الوضع مع ايران سواء على صعيد الموضوع النووي او دورها في سوريا وارسال نتنياهو لرئيس الموساد يوسي كوهين الى واشنطن لمناقشة هذا الامر والموقف الاسرائيلي في الموضوع الايراني يتوافق مع الموقف العربي الذي يعمل على التصعيد مع ايران ايضا.
ربما يعبر الموقف الرسمي الفلسطيني من التحركات الامريكية والاتهامات المباشرة وغير المباشرة الى ادارة ترامب وعدم جديتها في دفع عملية التسوية والتلويح بالتوجه الى الامم المتحدة والتحرك للحصول على اعترافها بدولة فلسطين مؤشرا على طبيعة الافق المسدود امام السلطة الفلسطينية سياسيا وعدم جدوى الرهان على المفاوضات واستمرار النهج الحالي فكل المعطيات تؤكد الفشل الكامل للعملية السلمية واستمرار الرهان عليها يعني تواصل الاستفراد الاسرائيلي بالسلطة وإبقاءها في نطاق التنسيق والدور الخدماتي والغاء أي دور سياسي لها.
أمام ذلك فان ما نشر عن خيارات السلطة في ضوء الانسداد من ان الرئيس عباس يدرس حالياً خيارات سياسية وديبلوماسية عدة من بينها التوجه الى الجمعية العامة للأمم المتحدة لمنح دولة فلسطين العضوية الكاملة، وحل السلطة الفلسطينية، بما فيها الحكومة والمجلس التشريعي وغيرها، وإعادة كل السلطات والصلاحيات التي تتمتع بها السلطة وتمارسها الى منظمة التحرير الفلسطينية، خصوصاً لجنتها التنفيذية التي قد تصبح المرجعية التنفيذية الوحيدة، وتفعيل خيار اللجوء الى المحكمة الجنائية الدولية، مرحب به وخطوة في الاتجاه الصحيح اما الاصرار على الاجراءات ضد غزة فامر لن يخرج السلطة من ازمتها امام الكيان الاسرائيلي والولايات المتحدة فالمطلوب توجه حقيقي يحرك ملف المصالحة وانهاء الانقسام، وانعقاد المجلس الوطني على قاعدة التوافق وليس الاستفراد.


التعليقات : 0