غزة/ قاسم الأغا:
شهد قطاع غزة في الأيام الأخيرة استئنافًا لإطلاق البالونات الحارقة صوب مستوطنات "غلاف غزة"، بموازاة رفع فصائل المقاومة من وتيرة إطلاق الصواريخ التجريبية "التحذيرية" باتجاه السواحل المقابلة للقطاع.
هذان المشهدان، رأى فيهما محلّلان سياسيان فلسطينيان أنهما يحملان رسالة مزدوجة للاحتلال، أحدها تحذيرية شعبية تتمثل بالبالونات، والأخرى عسكرية، تنعكس بتجارب المقاومة الصاروخية، في ضوء تنصله من تفاهمات "كسر حصار غزة"، وتفاقم الأزمة المعيشية والاقتصادية فيها بشكل كبير.
ووصف المحلّلان في حديثين منفصلين مع صحيفة "الاستقلال" توقيت المشهدين بـ "الدقيق والحسّاس"، مرجحًا أحدهم أن تندفع الأوضاع إلى "الأكثر سخونة"، بينما توقّع الآخر عودتها إلى "الهدوء"، سعيًا من الاحتلال، المتأزم بظروف داخلية معقدة.
وصباح يوم أمس، أطلقت المقاومة نحو عشرة صواريخ من العيار الثقيل باتجاه البحر، في إطار تجارب صاروخية، تعد الأكبر نوعًا وكمًّا، إذا ما قورنت بالتجارب السابقة.
وتهدف المقاومة من خلال ذلك، لاختبار الصواريخ من ناحية المدى والدقة في إصابة الهدف، العمل زيادة تأثير قوتها وانفجارها؛ تحسبًا واستعدادًا لأية مواجهة محتملة مع الاحتلال، الذي يدفع الميدان نحو التوتر، عبر تنصله من تنفيذ التزاماته بشأن تفاهمات "كسر الحصار"، فضلاً عن تصاعد جرائمه واعتداءاته الميدانية ضد الفلسطينيين بالضفة والقدس المحتلتين وقطاع غزة.
ومنذ أيام، استأنف شبّان فلسطينيون من القطاع إطلاق بالونات محملة بمواد حارقة صوب مستوطنات "الغلاف"، تتسبب باندلاع مئات الدونمات الزراعية، وفق مزاعم الاحتلال، الذي يرد على ذلك بقصف أهداف للمقاومة.
رسالة مزدوجة
الكاتب والمحلل السياسي شرحبيل الغريب، رأى أن استئناف إطلاق البالونات الحارقة صوب "غلاف غزة"، وصواريخ المقاومة التجريبية، تحمل رسالة مزدوجة، وهي تحذير شعبية وعسكرية للاحتلال.
وأوضح الغريب لـ"الاستقلال" أن إطلاق البالونات الحارقة يعد تعبيرًا شعبيًا سلميًّا عن حالة الرفض لحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ 14 سنة، فيما تأتي التجارب الصاروخية للمقاومة، في سياق رسائل الاستعداد الجهوزية للمواجهة بالنار، إذا ما تعرض القطاع للتصعيد، ولجهة طرق جدار الحصار.
وأشار إلى أن استمرار حصار غزة وتنصّل الاحتلال من تنفيذ تفاهمات كسره، قد يدفع الميدان نحو خيارات أكثر سخونة مما عليه الآن (البالونات الحارقة والتجارب الصاروخية).
وقال "حال تواصل الاحتلال في تسويفه ومماطلته، وتجاهل المجتمع الدولي حقوق ومطالب الفلسطينيين الإنسانية؛ فإنهم ومن خلفهم المقاومة لن تصمت على حالة الموت البطيء والشلل التي تطال كل مناحي حياتهم، ومن حقّهم ممارسة أشكال المقاومة كافة؛ لكسر حصار الاحتلال".
وهنا، لفت إلى أن مسؤولية مباشرة تقع على كاهل الوسطاء، الذين رعوا ودعموا تفاهمات "كسر الحصار"، في إشارة إلى مصر وقطر والأمم المتحدة.
وأضاف "على الوسطاء الضغط على الاحتلال؛ لإلزامه باستكمال تنفيذ التفاهمات، بعيدًا عن محاولات الابتزاز والمساومة التي جاءت مؤخرًا على لسان وزير الحرب الإسرائيلي بيني غانتس".
وأمس الإثنين، جدّد "غانتس" اشتراط رفع الحصار، بإطلاق سراح جنود كيانه الأسرى لدى المقاومة في قطاع غزة، منذ العدوان العسكري الأخير صيف العام 2014.
وزعم "ليس لدينا أي مصلحة في غزة، سوى الهدوء التام وعودة الأولاد (الجنود الأسرى) إلى المنزل (...) عندما نرى هذا يحدث، سنتمكن من تطوير قطاع غزة".
وعن ذلك، قال الكاتب والمحلل السياسي "معادلة الابتزاز والاشتراط قديمة جديدة، وهي غير مقبولة على الإطلاق، لدى شعبنا ومقاومته".
ولم يستبعد في الوقت ذاته، أن اشتراط "غانتس يأتي في سياق التوظيف السياسي، لجهة تسجيل نقاط، وكسب دعم وتأييد الرأي العام داخل الكيان، عبر الادّعاء بأنه الأحرص على حياة جنوده الأسرى، لاسيما في ضوء احتدام الأزمة بينه، وبين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.
وتتمحور الأزمة المتصاعدة بين القطبين، اللذين يمثلان الائتلاف الحكومي داخل الكيان، حول إقرار ما تسمى "ميزانية الدولة".
ويطالب "نتنياهو" وهو زعيم "حزب الليكود" بميزانية لعام واحد فقط، بينما "غانتس"، وهو زعيم حزب "أزرق أبيض"، رئيس الحكومة المناوب، يصرّ على إقرار ميزانية لعامين.
وتزداد المخاوف من انهيار الائتلاف الحكومي، والتوجّه لانتخابات عامة جديدة، مع الموعد المحدد لإقرار الميزانية، وهو يوم 25 أغسطس (آب) الجاري، وحال لم تُقرّ؛ فسيذهب الكنيست (البرلمان) لحل نفسه باتجاه تنظيم انتخابات، ستكون الرابعة منذ أبريل(نيسان) 2019.
ورجّح الغريب بأن ارتفاع وتيرة الصراعات والخلافات بين قطبيّ الائتلاف الحكومي في الكيان، وما يلاحق "نتنياهو" من تهم فساد، قد يدفعه لتصديرها باتجاه قطاع غزة.
وقال "هذا الأمر وارد جدًا، خصوصًا مع سخونة الأحداث على الجبهة الشمالية للاحتلال، إذ من الوارد أن يهرب للأمام، من خلال التصعيد الميداني ضد القطاع".
"نتنياهو" والهدوء
من جهته، أوضح المحلّل السياسي المختص بالشأن "الإسرائيلي" أنس أبو عرقوب، أن إعادة إطلاق البالونات الحارقة من قطاع غزة، والصواريخ التجريبية لمقاومته شغل مساحة واسعة من الاهتمام لدى الإعلام العبريّ.
ورأى أبو عرقوب في حديث لصحيفة "الاستقلال"، أنه "لمعرفة إلى أين ستؤول الأوضاع بهذا الشأن، لا بد من الإجابة عن تساؤل: كيف تعاطى الإعلامي "الإسرائيلي" مع ما ينطلق من القطاع، ويجري فيه".
وفي هذا الصدد، قال "لا ينفصل القرار السياسي عن الإعلام في "إسرائيل"، إذ أن الإعلام يقدّم صورة للأوضاع؛ تمهيدًا لأي قرار سياسي".
وعن هذه الصورة، ذكر أبو عرقوب أن الإعلام العبري صوّر ما يجري في غزة على انعكاس للأزمة الإنسانية واشتداد وطأة الحصار الإسرائيلي على القطاع، مع بقاء الأوضاع تحت السيطرة إذا بقيت على حالتها الراهنة.
وتوقّع أن يذهب رئيس حكومة الاحتلال "بنيامين نتنياهو" في الوقت الحالي إلى تمديد حالة الهدوء مع غزة، والاستجابة لبعض من متطلبات كسر الحصار، التي من بينها السماح بإدخال أموال المنحة القطرية، بعيدًا عن معادلة "الاشتراط والمقايضة".
وأضاف "لدى نتنياهو ملفات كثيرة مشتعلة؛ لذلك من المتوقع جدًا ألّا يلجأ حاليًا إلى موجة تصعيد ضد قطاع غزة، إلى حين انتهاء الجيش الإسرائيلي من بناء العائق البحري، والجدار الأمني، مع وحول القطاع، وأغلفة الدفاع الجوي لاعتراض الصواريخ".
ورجّح المحلل المختص بالشأن "الإسرائيلي" أن انتهاء جيش الاحتلال من ذلك، يتطلب مدة زمنية لا تقل عن عامَيْن كاملَيْن، وهذا ما يسعى إليه نتنياهو وحكومته بأي شكل كان.
في المقابل، رأى محللين سياسيين ومراسلين عسكريين لدى الاحتلال، أن الأحداث الجارية في قطاع غزة، تحمل رسالة مهمة، من ناحية المضمون والتوقيت.
وحذّر المراسل السياسي لصحيفة "يديعوت أحرنوت" "اليؤور ليفي" من أن إطلاق الصواريخ التجريبية بالقطاع وفي هذا الوقت المثير للاهتمام وفق تعبيره، يأتي ضمن "التصعيد التدريجي في الجنوب".
في حين، أشار المراسل العسكري للقناة 12 "نوعام أمير" إلى أن صواريخ غزة التجريبية نحو البحر، رسالة من المقاومة بأنها مستعدة، ومستودعاتها امتلأت بالفعل، حال اقتربت المواجهة مع "إسرائيل".


التعليقات : 0