غزة/ قاسم الأغا:
لم يدفع إعلان الجهات الحكومية المختصة في قطاع غزة اكتشاف حالات مصابة بفيروس "كورونا" من غير المحجورين في مراكز العزل الصحي بالقطاع، الاحتلال الإسرائيلي الكفّ عن مواصلة عدوانه الميداني، والتراجع عن حصاره الشامل المشدد مؤخرًا؛ بذريعة استمرار إطلاق "البالونات الحارقة"، صوب مستوطنات "غلاف غزة".
ويتزامن عدوان الاحتلال ميدانيًا على القطاع، مع عدوان آخر يتمثل بـ "الحصار الشامل"، المفروض عليه منذ نحو 14 سنة، يرى فيه مراقبون أن استمراره "أشدّ فتكًا" على الفلسطينيين، من الفيروس المتسلل بينهم مؤخرًا، فالحصار أصاب القطاعات كافة، بما في ذلك القطاع الصحيّ، بحالة من "شبه الشلل"؛ ما يعني محدودية الإمكانيات الصحية، القادرة على كبح جماح "كورونا".
ويسكن في قطاع غزة، المنطقة الجغرافية (365 كم2) الأكثر اكتظاظًا بالسكان، نحو مليوني فلسطيني، غالبيتهم من اللاجئين، الذين يعيشون في مخيمات، متلاصقة البيوت المغطاة بألواح من الصفيح والأزقة الضيقة، حيث يصعب فيها تحقيق التباعد الاجتماعي.
وفي ساعة متأخرة من مساء الإثنين، أعلنت وزارة الصحة تسجيل 4 مصابين بفيروس "كورونا" داخل مخيم المغازي للاجئين وسط قطاع غزة، إذ جرى على إثر الإعلان، اتخاذ قرار بفرض حظر التجوال التام على محافظات القطاع الخمس، لمدة 48 ساعة.
وتضمّن القرار تعليق العمل في الوزرات والمؤسسات الخاصة والتعليمية كالجامعات والمدارس، وإغلاق المساجد أمام المصلين، والأسواق، وصالات الأفراح والنوادي ومنع التجمعات بالأماكن العامة.
وأوضحت وزارة الصحة أن فترة "الحظر" ستكون لعمليات حصر الوباء، وكشف خارطة المخالطين والتعامل معها، وتحديد أماكن الإصابة المحتملة، لافتةً إلى أن طواقمها شرعت فور الكشف عن الإصابات بإجراءات صحية، وفق البروتوكول المعتمد.
كما حثّت المواطنين لعدم مغادرة منازلهم طيلة فترة الحظر التام، واتّخاذ أقصى درجات الحذر واتباع درجات السلامة والتقيد بما يصدر عن الجهات الحكومية المختصة فقط؛ حفاظًا على سلامتهم، وصحّة المجتمع.
وبحسب الوزارة، فإن عدد الإصابات النشطة بالفيروس في قطاع غزة بلغت 41 حالة، 37 منها في مراكز الحجر الصحي، عادوا إلى القطاع مؤخرًا، إما عبر معبر رفح (جنوب)، أو حاجز بين حانون (شمال).
وكان القطاع سجّل منذ بدء الجائحة بمارس (آذار) الماضي 114 حالة إصابة بالفيروس، بينهم 41 نشطة، و73 تعافٍ، ووفاة واحدة.
سرعة التحرك
وطالب المتحدث باسم حركة "حماس" فوزي برهوم بسرعة التحرك لجهة وقف عدوان وحصار على قطاع غزة، على وقع الإعلان عن الحالات المكتشفة إصابتها بفيروس كورونا داخل القطاع.
وقال برهوم لصحيفة "الاستقلال"، إن المجتمع الدولي، ومؤسساته الحقوقية والصحية مطالبون أكثر من أي وقت مضى، بالعمل الفوري على وقف العدوان وكسر الحصار، وتوفير المتطلبات والمستلزمات الطبية، التي تضمن مواجهة "كورونا".
وأشار المتحدث بلسان "حماس" إلى أن خطر انتشار الفيروس داخل القطاع، يستدعي من السلطة الفلسطينية أيضًا تحمل مسؤولياتها تجاه الفلسطينيين المحاصرين فيه منذ أكثر من 14 سنة.
جريمة ضد الإنسانية
من جهته، وصف عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين طلال أبو ظريفة، تواصل العدوان والحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، في ضوء خطر انتشار "كورونا" يعد "جريمة ضد الإنسانية والقيم والمواثيق والأعراف الدولية، وفي مقدمتها مبادئ حقوق الإنسان".
وقال أبو ظريفة لصحيفة "الاستقلال" إن استمرار دولة الاحتلال في ذلك، "وصمة عار على جبين المجتمع الدولي، الذي لا يحرّك ساكنًا إزاء جريمة حصار غزة"، داعيًّا إيّاه بفرض الضغوط على الاحتلال، بما يمكّن من رفع القيود، وإدخال كل المستلزمات المطلوبة لمجابهة التداعيات والنتائج التي تترتب على انتشار "كورونا".
ونبّه إلى أن دول قوية لم تصمد أمام هذه الجائحة وانعكاساتها، "وبالتالي كيف سيكون الأمر بالنسبة لقطاع غزة، ذو الكثافة السكانية العالية، على مساحة جغرافية محدودة، ويعاني تهالكًا على الأصعدة كافة، خصوصًا الصعيد الصحي؛ نتيجة الحصار المتواصل والحروب المتكررة".
وأضاف "لذلك، يجب على دول العالم التحرك بالشكل الذي يحقق رفع حصار إسرائيل الظالم، المفروض على القطاع".
وشدّد على أن الاحتلال لن يحقق أهدافه المرجوّة من خلال فرضه للحصار، قائلًا "إن ظنّ بحصاره واعتداءاته سيدفع شعبنا وقوى المقاومة للانحناء فهو واهم".
وتابع "شعبنا سينتصر على الجائحة، وسيصمد أمام كل التحديات والصعوبات، عبر وحدة الموقف، وتكاتف الجهود والإمكانيات كافّة".
وعدّ تزامن عدوان الاحتلال ميدانيًّا في غزة، وعدم الكف عن قصف مواقع المقاومة، في ضوء مخاطر انتشار الجائحة، "شكل آخر من جرائمه، المضافة إلى جريمة الحصار".
وفي هذا السياق، شدّد على أن قوى وفصائل شعبنا الفلسطيني "لم تعد تقبل بمعادلة الهدوء، دون أن يلتزم الاحتلال برفع كامل للحصار؛ استنادًا إلى تفاهمات التهدئة عام 2014".
ومنذ نحو أسبوعين، تقصف طائرات ومدفعية الاحتلال أهدافًا للمقاومة؛ بذريعة الرد على إطلاق شبان فلسطينيين "البالونات الحارقة" من القطاع؛ لتسببها بإحراق مئات الدونمات الزراعية بمستوطنات "الغلاف"، تزامنًا مع منعه إدخال مواد البناء والوقود للقطاع، وإغلاق بحره أمام الصيادين.
الاحتلال يتحمل المسؤولية
إلى ذلك، حمّل الباحث والخبير القانوني د. حنّا عيسى، الاحتلال الإسرائيلي ووكالة "أونروا" المسؤولة عن أوضاع الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة، وخصوصًا في قطاع غزة، أمام الظروف الصعبة التي يعيشها سكانه.
وقال عيسى لصحيفة "الاستقلال"، إن الفلسطينيين، سواء بالضفة الغربية بما فيها شرقيّ القدس المحتلتين، وقطاع غزة، الذين يرزحون تحت الاحتلال، يتحمّل المسؤولية المباشرة عن أوضاعهم.
وتابع "يجب على دولة الاحتلال أن يحفظ للفلسطينيين في هذه الأراضي حقوقهم، الحياتية، والصحية والتعلمية، وغيرها من الحقوق، التي تستند إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948".
وبالتركيز على مسؤولية الاحتلال، على ضوء انتشار "كورونا" في الأرض المحتلة، شدّد على أنه يتعين عليه توفير الإمكانيات الطبية والصحية اللازمة كبح جماع الفيروس ومحاصرته.
أما عن دور وكالة "أونروا" إزاء اللاجئين الفلسطينيين بعد الكشف عن إصابة أربعة منهم وسط قطاع غزة قبل يومين، حمّلها الباحث والخبير القانوني "المسؤولية المباشرة والكاملة"، عن توفير الحماية الصحية لهؤلاء اللاجئين، فضلًا عن مسؤولياتها الأخرى المنوطة بها.
وجدّد الخبير عيسى التأكيد أن "أونروا" تتحمل المسؤولية الكاملة عن اللاجئين الفلسطينيين، الموزعين على مناطق عملياتها الخمس (قطاع غزة، الضفة المحتلة، لبنان، سوريا، الأردن)، والبالغ عددهم حوالي 6 ملايين لاجئ فلسطيني، على الأقل.


التعليقات : 0