مع بدء العام الدراسي الجديد

الأسرى الأطفال .. أحلام معلقة على الجدران

الأسرى الأطفال .. أحلام معلقة على الجدران
فلسطينيات

الاستقلال/ دعاء الحطاب

مع غرة العام الدراسي الجديد يتسابق الأطفال إلى مدارسهم، فرحين بإعادة افتتاحها، يتجهون للمقاعد والضحكات تعلو ملامحهم البريئة وقلوبهم مليئة بالأمل والتفاؤل، غير أن ثمة من كانت هذه المناسبة بالنسبة لهم مدعاة لتجديد الألم والحسرة، بل والبكاء والحزن، ألا وهم الأطفال الأسري القابعون خلف سجون الاحتلال والتي حالت القضبان الحديدية بين أجسادهم الصغيرة الضعيفة وبين مدارسهم، ليجلسوا في غيابة السجون ينشدون الفرج ويعيشون على أمل أن تشرق شمس حريتهم، ليعانقوا مقاعدهم من جديد.

 

 يوم الأربعاء الماضي، توجه قرابة مليون ومائتين وخمسين ألف طالب، إلى مقاعدهم الدراسية بحوالي ثلاثة آلاف مدرسة في الضفة وغزة، بينما بقي مئات الأطفال الاسري قابعين في سجون الاحتلال يعذبون ويتألمون، دون أن يلتفت لمعاناتهم أحد من المؤسسات التعليمية سوى وزارة التربية والتعليم، وهذا ما يعني أن التضامن معهم بات في أدني درجاته، وحرمانهم من الدراسة سيستمر وربما يطول.

 

سُلب حُلمها

 

ومع لحظة موعد دق جرس الصباح، تستيقظ والدة الأسيرة الطفلة هدية عرينات (16عاما)، وتسارع الى دولابها وتقلب الملابس حتى تخرج زيها الذي كانت ترديه خلال توجهها للمدرسة، ثم تحتضنه وتجهش بالبكاء، مستذكرة كيف كانت توقظ ابنتها النشيطة وتجهزها لتتوجه الى مدرستها والفرح يعلو ملامحها ويدها الصغيرة تلوح بالسلام.

 

واستذكرت عرينات لـ"الاستقلال" ابنتها التي تقضي عامها الثاني خلف القضبان، قائلة: " كانت نشيطة ومجتهدة وطموحة، تنتظر بدء العام الدراسي بشغف، ومن شدة حبها للمدرسة دائما كنت اناديها بـ "دكتورة"، كان جميع أفراد الأسرة يعولون عليها في تحقيق التفوق ورفع رؤوسهم".

 

نامت هدية ليلتها تلك هادئة وكلمات والدتها تتردد في أذنها بأنها غداً ستصبح أجمل طبيبة، أغمضت عينيها البريئتين دون أن تعلم أن حلمها وحلم والدتها سينتهي بمجرد اشراق شمس الصباح، وستنقل من بيتها الآمن الجميل الى جدران معتمة وقضبان حديدية أمام سجان لا يرحم . 

 

وذكرت عرينات، أن قوات الاحتلال اعتقلت ابنتها صباح يوم 3مارس2016 أثناء توجهها إلى مدرستها بقرية العوجا التابعة لمحافظة أريحا، بتهمة طعن جندي صهيوني، وحكمت بالسجن لمدة ثلاث سنوات.

 

وأضافت عرينات لـ "الاستقلال"، أن طفلتها حرمت من حريتها ومدرستها وحضن عائلتها، وأرغمت على البقاء للعام الثاني خلف القضبان تقارع السجان، وتأمل بأن تحصل على حريتها المسلوبة، وأن تعود الى مدرستها تكمل مشوارها، لكن يبدو أن ذلك لن يكون قريبا.

 

وأكدت على انه ورغم كل الظروف العصيبة وظلم السجان، إلا أنها تداوم على زرع الأمل في نفس ابنتها، وفي كل زيارة للسجن تخبرها أن حلمها لازال قائما، وأنها وفور خروجها من ذلك المعتقل اللعين ستعود للمدرسة، وتكمل دراستها وتصبح طبيبة كما وعدتهم، وأن قهر السجان يكون بتحقيق الحلم المنشود.

 

وفي نهاية حديثها تساءلت الام عرينات، إن كانت القوانين الدولية وهيئة الأمم المتحدة تسمح باعتقال الأطفال وتحطيمهم في السجن دون ذنب يقترفونه؟ ولماذا دائما الاحتلال الاسرائيلي فوق القانون لا أحد يحاسبه، مردفه: " حرقوا قلبي على بنتي الله يحرق قلوبهم".

 

مكتبها الدراسي بانتظارها

 

ولا زال مكتب الطفلة الأسيرة ملاك الغليظ (14عاماً) خالياً بانتظار عودتها كي تشغله، بينما ملابس المدرسة معلقة وسط خزانتها، تنظر إليهم والدتها في كل صباح بحزن وألم دفين، وما ان تنتهي من تفقد غرفة طفلتها وتهيئتها على أمل أن تعود إليها قريباً، تقف على نافذة الغرفة تنظر إلى الطالبات وهن متوجهات لمدارسهن ثم لا تتمالك نفسها وتبدأ الدموع تذرف من عينيها.

 

وقالت والدة أصغر أسيرة فلسطينية في السجون الإسرائيلية: " أن الاحتلال حرم ملاك من إكمال تعليمها ودراستها كأي من أقرانها، وحرمت من الحصول على شهادة الصف التاسع الأساسي بالرغم من تميزها وتفوقها، نتيجة اعتقالها وعدم تمكنها من تقديم ثلاثة اختبارات من الامتحانات النهائية"، مشيرةً إلى أن أكثر ما يحزنها ويقهر قلبها هو عدم موافقة وزارة التربية والتعليم على منح ابنتها الشهادة وترفيعها للصف العاشر، رغم محاولات مدير المدرسة والمعلمات الكثيرة.

 

وتتابع الغليظ حديثها لـ "الاستقلال": " قبل أسبوع كانت الزيارة الاولي لملاك، أول ما شفتني سألتني عن شهادتها جاوبتها أنه ما في شهادة الها، حزنت جداً وبدأت بالبكاء وقالت: "أنا شو ذبني لأنحرم منها أنا قدمت الامتحانات الأساسية" في هادي اللحظة ما قدرت اعمل اشي غير أنى اصبرها وأعطيها أمل انها ستعود لمدرستها عن قريب".

 

ورغم ظلم السجان وعتمة الزنزانة، مازالت ملاك ترسم بخيالها حلم العودة الي مقعد الدراسة وسط صديقاتها ومدرساتها اللواتي ينتظرن بشغف عودتها، فطلبت من والدتها أن تقوم بتجهيز مكتبها الدراسي ككل عام وشراء الزي المدرسي والحقيبة، حتى أنها طلبت منها التوجه للمدرسة واستلام الكتب الدراسية لها كي تجدها جاهزة فور الافراج عنها،" حسب قول الوالدة ".

 

وفي نهاية حديثها طالبت الغليظ، وزارة التربية والتعليم بالوقوف بجانب الأطفال الأسري ومساندتهم لإكمال مسيرتهم التعليمية ومنحهم الشهادات التي ترفع من معنوياتهم قليلا في ظل حرمانهم من أدني حقوقهم وحريتهم.

 

وجدير بالذكر أن الأسيرة الغليظ أصغر أسيرة فلسطينية في سجون الاحتلال، اعتقلت في 20 من مايو الماضي، على حاجز قلنديا العسكري شمال القدس المحتلة، بعد أن قيد جنود الاحتلال يديها للخلف بمرابط بلاستيكية، بتهمته طعن جندي، ولم يصدر حكم بحقها حتى اللحظة. 

 

قال نادي الأسير الفلسطيني اليوم الأربعاء، إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحرم نحو (300) طفل بين محكومين وموقوفين في سجونها تقل أعمارهم عن (18) عاماً من بينهم عشر فتيات، من مواصلة دراستهم بانتظام، خاصة أن عدداً منهم تعرض للاعتقال عدة مرات.

 

ومن جهته أكد طارق أبو شلوف، الناطق الإعلامي باسم مؤسسة مهجة القدس للشهداء والأسرى، بأن المئات من طلاب المدارس بفئاتها المختلفة حرموا من الالتحاق بالعام الدراسي الجديد الذي بدأ من أيام، وذلك بسبب إجراءات الاحتلال التعسفية بحقهم واعتقالهم خلف القضبان.

 

وأوضح أبو شلوف لـ "الاستقلال"، أن الاحتلال يعتقل في سجونه ما يزيد عن 300 طفل جميعهم من طلاب المدارس بمستوياتها (ابتدائية – اعدادية- ثانوية)، كان يجب أن يكونوا في هذا الوقت مع بدء العام الدراسي الجديد على مقاعد الدراسة، ولكنهم لن يستطيعوا ان يلتحقوا كأقرانهم من الطلاب بالدراسة، كون الاحتلال يحتجزهم خلف القضبان في ظروف سيئة. 

 

وبين أبو شلوف أن ما يجري ضد الأطفال الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية وحرمانهم من الالتحاق بمقاعدهم الدراسية، هو انتهاك خارق لجميع القوانين والمواثيق الدولية التي ترعي حماية حقوق الطفل الفلسطيني داخل السجون وتعطيه حق الأولوية بمواصلة المسيرة التعليمية، إلا أن الاحتلال يريد الأطفال جثثاً هامدة مُفرغه من المحتوى التعليمي والفكري لا يستطيعون مواجهتهم.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق