غزة/ قاسم الأغا:
عَدَّ سياسيون ومراقبون فلسطينيون إسقاط الجامعة العربية خلال اجتماع لها على مستوى وزراء الخارجية برئاسة فلسطين الأربعاء، مشروع قرار فلسطيني يدين التطبيع بين دولتيّ الإمارات العربية والاحتلال الإسرائيلي، بأنه بداية عملية لتخلي الجامعة عن دورها المنوط بها تجاه القضية الفلسطينية.
واتَّفق هؤلاء في أحاديث منفصلة لصحيفة "الاستقلال" على أن موقف الجامعة فيه تشريع عربي رسمي للتطبيع مع الاحتلال، وتجاوز لمبادرة السلام العربية، التي مزّقتها "أبو ظبي"، بإعلانها التطبيع الكامل مع "تل أبيب" برعاية "واشنطن"، في 13 أغسطس (آب) الفائت.
وترفض المبادرة التي وقعت عليها جميع الدول العربية، عام 2002 بالعاصمة اللبنانية بيروت تطبيع علاقاتها مع دولة الاحتلال، قبل التزام الأخيرة بتلبية الحقوق الفلسطينية على أساس القرارات الدولية، ووفق مبدأ "الأرض مقابل السلام".
عرابّة التطبيع
وقال عضو مكتب العلاقات الوطنية بحركة الجهاد الإسلامي أحمد المدلّل، إن الجامعة العربية بموقفها الأخير الرافض لإدانة تطبيع الإمارات مع الاحتلال، يضع الجامعة في موقع "العرّابة للتطبيع"، والممّررة لـ "صفقة القرن"، الهادفة لصفية القضية الفلسطينية.
وأضاف القيادي المدلّل لـ "الاستقلال" أن "الجامعة بهذا الموقف التراجعي تتخلّى عن مساندتها للقضية وثوابت شعبنا الفلسطيني، لصالح مزيد من التغوّل والاستيطان والضم الاستعماري الصهيوني، والتقاسم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى".
فضلًا عن أنها تمنح شرعية للاحتلال ليكون كيانًا طبيعيًّا في المنطقة العربية بعد تفتيتها، ومزيدًا من الهيمنة الصهيو أمريكية على مقدرات وثروات الأمّة"، بحسب المدلّل.
تكريس للاحتلال
أما حركة "حماس" فقد أدانت إسقاط المجلس الوزاري للجامعة العربية مشروع القرار الفلسطيني؛ لأنه فيه تبرير لعقد اتّفاقات مع العدو، الأمر الذي يؤكد تخليها عن دورها وواجبها تجاه فلسطين وقضيتها العادلة.
وقالت الحركة في بيان وصل "الاستقلال" إنها تدين هذا الموقف من الجامعة في وقت يتمادى الاحتلال في قمعه وإجراءاته ضد الفلسطينيين، حيث تتعرض القدس للتهويد، والضفة للتقطيع والاستيطان، وقطاع غزة للحصار، والأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1948 لـ"ترانسفير"، من خلال ما يسمى "قانون القومية"، ناهيك عن عمليات القتل والتشريد وإنكار حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم.
وفسّر البيان "رفض الجامعة لمشروع القرار الفلسطيني الضعيف"، أنه إمعانًا منها لتكريس الاحتلال، من خلال التغطية والشدّ على أيادي حكام الإمارات، وتخليًّا واضحًا من الجامعة عن موقفها في قمة بيروت (مبادرة السلام العربية) التي اشترطت الحقوق الفلسطينية قبل "التطبيع".
وتابع "كما يُعد هذا الموقف من الجامعة العربية تنازل منها عن دورها، ونسف لمبرّر وجودها، القائم على أساس الدفاع عن القضايا العربية في مواجهة المخاطر الخارجية، وفي مقدمتها احتلال فلسطين.
ودعت "حماس" الجامعة إلى التراجع فورًا عن خطوتها "التي تشكل انتكاسة لمواقف الجامعة ومبررات وجودها"، مناشدةً في الوقت ذاته الشعوب العربية لرفض هذه الخطوة، والضغط على حكوماتهم للعدول عنها؛ لما يترتب عليها من مخاطر تمسّ الحقوق العربية والفلسطينية في المنطقة، وتفتح شهيّة العدو للمزيد من القتل والتهويد والتوسع والاستيطان، بحسب البيان.
وجدّدت الحركة التأكيد على موقفها بـ "تجريم التطبيع وعرّابيه"، كونه طعنة في ظهر الشعب الفلسطيني، وخيانة لقضيته وثوابته.
سقوط مدوّي
من جهته، أكّد عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" وزير الشؤون المدنية حسين الشيخ، أن ما تمخّض عن اجتماع الجامعة العربية يمثّل سقوطًا مدويًّا تحت شعار السيادة الوطنية لتبرير انبطاحها.
وقال الشيخ في تصريح صحفيّ "تمخّضت الجامعة العربية ولم تلد شيئًا، أشبعت الجميع في المنطقة والإقليم إدانات إلّا إسرائيل (...) انتصر المال على الكرامة"، مضيفًا "سقطوا إلّا فلسطين بقيت كما كانت، وستبقى سيدة نفسها وحامية لتاريخها".
في المقابل، رأى مستشار وصهر الرئيس الأمريكي "جاريد كوشنير"، في عدم إدانة جامعة الدول العربية لاتفاق التطبيع بين "أبو ظبي" و"تل أبيب"، انعكاس لتحول كبير تجاه دولة الاحتلال، وفق وصفه.
ونقل موقع "أكسيوس" الأمريكي عن "كوشنير" الأربعاء قوله، "عدم الإدانة دليل على تحوّل مهم في الشرق الأوسط تجاه إسرائيل".
إنذار بالانهيار
بدوره، وصف الكاتب والمحلّل السياسي د. أسعد جودة قرار الجامعة العربية بـ"المخزي والمؤسف"؛ لكنه لفت في الوقت ذاته إلى أن المعطيات على الأرض كانت تنذر بهذا القرار "غير المفاجئ".
وقال جودة لـ"الاستقلال" "كنّا نتمنى على الجامعة أن تكون حاضنة للأمة، وقضيتها الفلسطينية؛ إلّا أن ما نتج على اجتماعها الأخير، ينذر بانهيارها وفقدانها لشرعيتها".
وتابع "انصياع الجامعة إلى الرغبات الإسرائيلية والأمريكية والإماراتية بهذا الشكل وفي هذا التوقيت يصب في تحقيق ما يحلم به كوشنير: الشرق الأوسط الجديد"؛ مستدركًا "لكن حركة الشعوب وأحرار الأمة العربية والإسلامية قوية، وستفشل كل هذه الأوهام".
وأضاف الكاتب والمحلّل السياسي "حال استمر هذا التجمع (الجامعة العربيّة) على هذا النهج الذي يشكّل عبئًا على الأمة العربية والإسلامية، فمن المتوقع تشييع جنازتها قريبًا".
وبيّن أن لدى الفلسطينيين "أوراق قوة" لإسقاط هذه المؤامرة وغيرها، أبرزها توحيد مواقفهم، والتمسك بقضيتهم وثوابتها المقدسة، حينئذ سيدفع الجامعة العربية وغيرها من التجمعات والأنظمة البائسة إلى إعادة النظر في حساباتها".
تاريخ فاشل
من ناحيته، أوضح المحلّل السياسي البروفيسور عبد الستّار قاسم أن الموقف الأخير للجامعة العربية لم يبق مستقبلًا لمبادرة السلام العربية، التي وصفها بـ "الخيانية".
وأضاف قاسم لصحيفة "الاستقلال" أن "منظمة التحرير والسلطة الفلسطينيتَين أخطأتا عندما قبلتا بالمبادرة، وتخلّتا عن مواقف شعبنا المبدئية، واستمرّتا في الرهان على الجامعة العربية.
وهنا، قال "تاريخ الجامعة مع القضايا العربية عمومًا، بما فيها قضية فلسطين غير مشرّف ومحكوم بالفشل"، عادًّا من يسيطر على قرارات ومواقف الجامعة "أنظمة رجعية"؛ "لذلك على الفلسطينيين أن ينظروا لأنفسهم، ويقوّموا من أخطائهم ويعيدوا تصويب مسارهم".
وبالتركيز على موقف الجامعة العربية وعدم إدانتها "التطبيع"، ردّ المحلل السياسي بـ "ارتكاب السلطة الفلسطينية خطأً لتوجهها للجامعة في هذا التوقيت السياسي غير المناسب".
وقال في هذا الصدد "من الغباء الشديد توجّه السلطة إلى الجامعة العربية في هذا التوقيت، خصوصًا أمام ما تعكسه توجهات لجهة فتح العلاقات مع الصهاينة، ورفض دول إدانة التطبيع الإماراتي مع الكيان".
وتساءل: "في ضوء هذه التوجهات، لماذا توجهت السلطة و(الرئيس) محمود عباس إلى الجامعة؟"، متابعًا "كان الأجدى بعبّاس أن يتوقف عن تطبيع علاقاته واعترافه بالكيان الصهيوني، والإساءة للمقاومة الفلسطينية، ومحاصرة قطاع غزة".
والأربعاء الماضي، أعلنت الجامعة العربية أن الاجتماع الوزاري لمجلس الجامعة لم يتوصل لتوافق حول مشروع قرار فلسطيني يرفض اتفاق التطبيع المعلن عنه بين الإمارات و"إسرائيل"، بأغسطس (آب) الماضي.
جاء ذلك، بعد مساعٍ خاضتها دولة الإمارات ودول عربية أخرى تؤيد اتفاقها التطبيعي مع دولة الاحتلال، لإسقاط نقطة في مشروع القرار الفلسطيني وهي: "إدانة الخروج على مبادرة السلام العربية".
لكن إصرار تلك الدول على إسقاط هذه النقطة التي أصرت فلسطين عليها؛ دفع بوزير خارجيتها رياض المالكي لتخيير المجتمعين باقتراحين، إما تعليق الاجتماع لساعات أو أيام حتى يتم التوافق، أو إسقاط البند من جدول الأعمال.
وبحسب مصدر دبلوماسي فلسطيني، رفض وزراء الخارجية التعليق فتم إسقاط البند، ليؤدي ذلك إلى إسقاط مشروع القرار الفلسطيني".


التعليقات : 0