الاستقلال/ دعاء الحطاب
كانت ليلة عصيبة على عائلة الأسير رائد الصالحي، تبعتها أيام أصعب، ففي تلك الليلة الكئيبة، حاصر المحتلون المدججون بالسلاح المنزل يريدون اعتقال رائد، ولكنه رفض الاستسلام ولم ينصع لأوامر المحتل بالتوقف، وتمرد على السجن قبل دخوله، فقفز من على الجدران محاولاً الفرار من المكان، لكن الرصاص كان أسرع منه، فأصابه في منطقتي الكبد والفخذ ليسقط بعدها أرضا مصابا بجراح خطرة.
واعتقل جيش الاحتلال رائد وهو مضرج بدمائه، واقتيد إلى المستشفى مكبلاً بالأغلال محاطا بالسجانين، بينما ذووه لم يناموا من شدة القلق، وحاولوا بشتى الطرق الوصول لمعلومات تطمئنهم عليه، لكن وفي كل مرة كانوا يُبلغون بذات الكلام "حالته خطيرة، ولا يمكن إعطاؤكم معلومات أكثر".
مرت الأيام ثقيلة، والخوف والقلق يخيم على الأسرة، حتى جاءت الخبر الصادم باستشهاد رائد، صرخات أمه ملأت المخيم، وأجهشت شقيقته بالبكاء، بينما تماسك أشقاؤه فخراً به .
واستشهد الأسير الجريح رائد الصالحي، الأحد الماضي، في مستشفى "هداسا عين كارم" الإسرائيلي متأثراً بجراح أصيب بها برصاص الاحتلال الصهيوني في السابع من أغسطس/ آب الماضي، في مخيم الدهيشة، شرق مدينة بيت لحم، جنوب الضفة الغربية المحتلة، واعتقل على إثرها.
ليلة الاعتقال
ليلة الحادثة، لم يكن المشهد فقط إصابة واعتقالاً، بل كان مؤلماً إلى أقصى حد، وفق ما ترويه الأم المكلومة لـ "الاستقلال": " في ساعات الفجر الأولى في ذلك اليوم، اقتحمت قوات الاحتلال المنزل وحاصره الجنود من جميع الجهات، وكان رائد نائماً على سطح المنزل وعند سماعه صوت سيارات الجيب العسكرية، وقف ليري ماذا يحدث اذ ببعض الجنود يفاجئونه من الخلف وبدأوا بإطلاق النار عليه بكثافة مما أدى لأصابته بجراح بالغة الخطورة".
وتتابع بغصة تعترض صوتها: " عندما سمعنا صوت الرصاص اعتقدنا أن رائد اعتقل فقط، هرعنا إلى السطح وجدنا رائد يغرق بدمائه ويخبرنا أنه سيستشهد، وهنا كانت الصدمة وبدأ الصراخ يعلو من منزلنا ".
ستون دقيقة ودم رائد ينزف بين أزقه المخيم الذي احتضنه 22عاما، وشقيقه الذي حاول اسعافه استهدفه الجنود برصاصاتهم نجا منها بلطف الله، أما والدته المريضة بالقلب فلم يمزقها المرض وجعاً كذلك الذي أوجعها اياه الاحتلال.
وأوضحت أن جنود الاحتلال مع كلابهم البوليسية قاموا بمطاردة شقيقه بسام الذي استطاع أن ينقل شقيقة رائد إلى مكان أخر، لكنهم وجدوه واعتقلوه بوحشية دون الالتفاف إلى حالته الصحية الحرجة، فقد سحبوه في شوارع المخيم وتركوه ينزف لأكثر من ساعة وضربوه ببنادقهم وأرجلهم، إلى أن أًصيب أحد الجنود بالخطأ برصاصهم، حينها أحضروا الإسعاف وتم نقله للمستشفى لتقديم العلاج اللازم له.
استفزاز وقهر
ولم يكتف الاحتلال بجريمته البشعة بحق شاب في بداية عمره متطوعا في إحدى المؤسسات الخيرية، فبعد أسبوع من اعتقاله اقتحمت قوات الاحتلال منزل العائلة، وعبثت به خراباً واعتقلت شقيقه محمد.
وقالت والدة الشهيد بحرقة وألم: " بعد أيام اعادوا الكرة واقتحموا المنزل من جديد، وأخبرني أحدهم بلهجة مستفزة " بدك تشوفي رائد"، فرحت وظننتهم سيسمحون لي بزيارته، لكني فوجئت بالجندي يعرض لي صورة قاسية على هاتفه لابني وهو يتعذب في غرفة العناية وفمه ممتلئ بالأنابيب البلاستيكية، ويبدو كأنه يعيش على أجهزة التنفس الصناعي".
وأضافت" في هذا الوقت شعرت بأنه على وشك الشهادة ، حاولت الطلب من الجنود كي يسمحوا لها برؤيته ولو لمرة لكنهم رفضوا وغادرو وهم يعلون الضحكات".
موعد مع الشهادة
مع ساعات ظهر يوم الأحد الماضي، انتاب والدة رائد شعور غريب كأن حجراً كبيراً جثم على صدرها، خلدت للنوم غير مطمئنة لعله يفارقها، لكن ذلك الشعور داهماً في الحلم رأت به شهيداً لم تعرف هويته.
استيقظت فزعة، سارعت الى التلفاز تقلب بين القنوات الإخبارية، حتى انبثق أسفل الشاشة ذلك الشريط الأحمر" عاجل: استشهاد الأسير رائد الصالحي متأثراً بجراحة"، وقع الخبر عليها كالصاعقة، صرخت بصوت زلزل أركان المنزل، اندفع أفراد الأسرة اليها وحين شاهدو الخبر على الشاشة احتضنوها وبدأوا بمواساتها والتخفيف عنها.
وتقول ام رائد: " رغم انني كنت اتوقع خبر استشهاده خاصة بعد ان شاهدت صورته مع الجنود إلا انني لم اتخيل أن يكون فراقه صعبا لهذا الحد، لم أتخيل أن يرحل رائد دون ان أودعه".
وتستذكر والدة الشهيد، كلمات نجلها عن الشهادة قائله: " كان دائما يحكي يما أنا بدي أستشهد ما تعيطي عليا، كنت أسكته بسرعه وأقوله أنا بدي أجوزك وأشوف أولادك، يصير يضحك ويقبل رأسي ويصمت".
وتصف الوالدة نجلها، بصاحب الوجه البشوش والحنون، المحبوب لدى كل من عرفه وتعامل معه، محباً للمساعدة وخدمة الناس، ولم يغضبها يوماً بل كان دائماً يسعى لإرضائها، منوهاً إلى أن ابنها لم يتمكن من اكمال تعليمه لكنه كان مثقفاً، يطمح لافتتاح 30 مكتبه صغيره تحتوي على كتب ثقافيه في المخيم، ولكنه تمكن من افتتاح خمس منها قبل استشهاده.
سياسة قهرية
ولم يكتف الاحتلال بقتل رائد وحرمان عائلته من زيارته، بل تمادى ذلك المحتل في ظلمه لتلك العائلة المكلومة، بحرمانهم من وداع جثمانه ومواراته الثرى في مسقط رأسه بيت لحم.
وتبين أم رائد، أنهم بعدما تجاوزت العائلة صدمة الاستشهاد، بدأت بترتيب اجراءات الجنازة واختيار مكان الدفن، ظنا منها بانها ستستلم الجثمان، لكنها فوجئت برفض الاحتلال تسليم جثمانه ، رغم كل المحاولات بالتواصل مع كل الجهات لكن جميعها كانت بلا جدوى، مؤكدة أن الاحتلال يتبع سياسة قهرية لأهالي الشهداء فهو يعاقب الشهيد بقتله واسرته بمنع دفنه .
وباستشهاد الأسير رائد الصالحي، يرتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة إلى 212 شهيداً، ويشهد مخيم الدهيشة شرق مدينة بيت لحم اقتحامات شبة يومية لقوات الاحتلال واستهداف متعمد لفئة الشباب، حيث يقع 150شاباً من المخيم في الزنازين، فيما وصل عدد المصابين بالأطراف لأكثر من 60 شاب.


التعليقات : 0