غزة/سماح المبحوح:
لحظات صعبة ومشاهد تقشعر لها الأبدان، فبمجرد دخول جثماني الشهيدين الشقيقين حسن ومحمد الزعزوع، منزلهما بدير البلح وسط قطاع غزة لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليهما، انفض الجالسون من أماكنهم وافسحوا الطريق أمام والدة الشهيدين، حيث تقدم المشيعون بجثامينهما، ووضعوهما أمامها، لتتقدم الأم المكلومة ناحية جسد ابنائها، ولم تتركهما الا بعد أن انتزع جثمانيهما من بين حضنها ليحرما منه إلى الأبد، والتي خالط بكائها بعض الكلمات " ما ذنبهم راحوا للقمة العيش وعادوا شهداء.
وما هي الا دقائق سريعة حتى خرج الشهيدين من منزلهما محمولين على الأكتاف تتبعهما صرخات الأحبة التي دوت بالسماء عاليا، وبعض النسوة ينثرون الورود على نعشيهما، فيما جلست الأم والشقيقات جانبا تنفطر قلوبهن ألما وحزنا على مصير شقيقهم ياسر المصاب، و الذي ما زال معتقلا لدى الجيش المصري.
وبالقرب كان الوالد الكهل الذي اشتعل رأسه ولحيته شيبا، لا يقوى على الوقوف، وكأنه تصلب على مقعده من شدة الحزن، فلم تسعفه أمراض كِبر السن للحركة وتقبيل نجليه، فاكتفى بتوديعهما بدموع غزيرة تتلاطم كأمواج البحر الذي اختلط بدمائهما، ولم تفلح محاولات أقاربه تهدئته والتخفيف من روعه.
وأُعلن عن استشهاد الصيادين الأشقاء السبت الماضي، وإصابة شقيقهما الثالث برصاص الجيش المصري، قرب الحدود البحرية مع مصر، بعد أن فقدت آثارهم فجر الجمعة.
ووصلت جثامين الأشقاء بذات اليوم السبت، بأكياس سوداء بعد أن سلمهما الجانب المصري للجانب الفلسطيني.
صور وذكريات
ولم يبق للأم المكلومة سوى بعض الذكريات و صور فلذة أكبادها تحتضنها تارة وتقبلها تارة أخرى، وهي تتأمل ملامح وجوههم البشوشة التي لا تود أبدا أن تفارقها، ولسان حالها يردد بحسرة " ماتوا اثنين من ولادي بدون ذنب، قتلوهم وهمة بالبحر بحاولوا يصيدوا ليأمنوا لقمة عيشهم ، وأخوهم ياسر ما بعرف اشي عنه غير انه مصاب ".
وأوضحت أن أبنائها الثلاثة ذهبوا معا بقاربهم عند غروب يوم الجمعة الماضية، ليصطادوا ما تيسر معهم من أسماك، تمكنهم من شراء علاج لوالدهم وأخيهم المريضين ، و سداد جزء من الدين المتراكم ، والتجهيز لمراسم زواج " حسن " الذي عقد قرانه قبل نحو سبعة أشهر، والجزء المتبقي من الأسماك يتناوله جميع أفراد العائلة .
وبينت والدموع تنهمر من عيونها أن ابنها الصغير ياسر "19عاما" خرج من المدرسة وهو صغير بالسن، ليلحق بأخوته ويعمل معهم في ذات المهنة، كي يساعد اخوته في شراء علاج لوالدهم و مصاريف المنزل.
وأشارت إلى أن القارب امتلكه أبنائها حديثا، منذ قرابة ثلاثة أشهر فقط بعد أن تمكنوا من الاستدانة ورهن ذهب شقيقتهم، فقد عملوا سنوات طويلة كعمال بالأجرة لدى بعض الصيادين ، إلى حين قرروا العمل لوحدهم.
وبغصة تعترض صوتها تتساءل الأم عن الذنب الذي ارتكبه أبنائها لتقتلهم رصاصات البحرية المصرية بعرض البحر، آمنين غير مسلحين، كل ما يشغل بالهم رمي شباكهم لتلتقط الأسماك لاصطيادها وبيعها.
وتتابع "عندما تعرض ستة صيادين مصريين للغرق ببحر غزة، قبل عامين ابني محمود أول من تحرك لنجدتهم، واليوم يكافأ برصاص يقتله!، هذا هو الجزاء؟!".
موكب التشييع
ووسط الحزن والدموع انطلق الموكب الجنائزي للشقيقين الزعزوع يوم أمس الأحد من مجمع الشفاء الطبي، وتوجه إلى منزلهما في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة؛ لإلقاء نظرة الوداع عليهما قبل الصلاة على جثمانيهما أمام منزل العائلة.
و كان للأشقاء الصيادين جنازة مهيبة، فقد تجمع الآلاف من أبناء مدينتهم ، وشاركوا في تشييعهما، مرددين هتافات منددة بجريمة إطلاق الرصاص.
ودفن الأشقاء الصيادين بمقبرة المدينة ، والأمل يحذو قلب والدتهم وذويهم ومحبيهم بالإفراج عن شقيقهم ياسر قبل أن تغيب شمس يوم جديد.
وعم الإضراب الشامل مرافق الصيد في القطاع ، حزنا على استشهاد الصيادين الزعزوع، حيث امتنع الصيادون في كافة المناطق عن النزول إلى البحر والصيد، تضامنا مع العائلة ، وذلك بناء على قرار اتخذته نقابة الصيادين .
يذكر أن الجيش المصري قتل 5/11/2015 الصياد فراس مقداد ، وبتاريخ 26/12 من العام ذاته قتل الشاب إسحاق حسان على شاطئ رفح و هو مختل عقليا ، كما قتل بتاريخ 13/1/2018 الصياد عبدالله زيدان من مخيم الشاطئ ، وبـ 7/11/2018 قتل الصياد مصطفى أبو عودة ، 25/9/2020 قتل الصيادين محمود وحسن الزعزوع.
واجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي موجة غضب فلسطينية عارمة، عقب الإعلان عن استشهاد الشقيقين محمود وحسن الزعزوع، وإصابة شقيقهما الثالث ياسر، برصاص الجيش المصري على الحدود البحرية الفلسطينية المصرية، بعد الإعلان عن فقدانهم فجر الجمعة.


التعليقات : 0