الاستقلال/ دعاء الحطاب
بعد أحد عشر عاما من الانقسام وما نتج عنه من تهتك في النسيج المجتمعي وتعميق لمشاعر الكراهية بين الاشقاء، يحاول "المتخاصمون" تجاوز تلك المرحلة وذلك بإطلاق مشروع المصالحة المجتمعية علّها تكون مقدمة لتجسيد مصالحة سياسية ترمّم ما أصاب المشهد السياسي الفلسطيني الداخلي، والانتقال لمواجهة التحديات التي تهدد الكل الفلسطيني. وانطلق قطار هذه المصالحة منذ أيام ولسان حال مسيريه يقول "أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي"، ونُظّمت اللجان وحُصر المتضررون، وبدأت جلسات العفو والصفح ودفع الديّات.
أمل بمصالحة شاملة
ورغم مرارة الفقد وحرقة الفراق ورغبة الانتقام التي ساورته لسنوات، إلا أن المواطن فؤاد أبو حرب، وضع آلامه وأحزانه جانباً، وقرر الصفح والعفو عن قتلة ابنه العريس أحمد، ومن تسببوا في بتر قدم نجله الآخر محمد، وكذلك سجن طفليه سليمان وعبد الله وتعذيبهما، خلال الاحداث الدموية المؤسفة التي شهدتها غزة منتصف حزيران من العام 2007.
أبو حرب فتح باب بيته أمام لجان المصالحة المجتمعية، وأخبرهم أن الصفح ليس ضعفاً وإنما من باب الحرص على لحمة أبناء الشعب الواحد، وإغلاق أبواب جديدة للفتنة وقطع الطريق أمام سفك مزيد من الدماء.
وأكد أبو حرب خلال حديثه لـ "الاستقلال"، أن مقتل ابنه وإعاقة الآخر كان أمراً صعباً لم يتقبله هو وعائلته، وكانوا في البداية يرغبون بالثأر والقصاص، لكن وحين جاءتهم لجان المصالحة وأخبرتهم بأن صفحهم سيعطي مجالاً لمصالحة شاملة وتضميد جرحهم النازف وجرح المئات من ضحايا الانقسام، لم يترددوا وسارعوا بالقبول، وقبلوا بمبلغ "جبر الضرر" الذي قدمته اللجنة.
وأضاف أبو حرب "نحن عائلة لا ترغب بمشاكل مع أي طرف كان، وما يهمنا الان أن نحمي دماء أبنائنا ومستقبلهم، فالثأر لن يجلب لنا سوى بحراً من الدماء والأوجاع لسنوات أطول".
وأوضح أنه غير نادم على قراره، ويتمنى أن يتخذه كل أولياء الدم من ضحايا الانقسام، كي نطوي صفحة مؤلمة سوداء من تاريخنا الفلسطيني، وننهي عذاب أكثر من مليوني فلسطيني تضرروا بسبب هذا الانقسام.
وأعرب أبو حرب عن دعمه للقائمين على المصالحة المجتمعية وثمن جهودهم، باعتبارها مدخلا مهمة لتحقيق مصالحة أشمل، متمنياً أن يصان الدم الفلسطيني ولا يرفع السلاح عند كل خلاف وأن يكون من رحلوا هم آخر ضحايا الخلافات الفلسطينية.
تخفيف الأوجاع
عائلة أبو حرب لم تكن الوحيدة التي استجابت لمطلب لجنة المصالحة، اذ استجابت لهذا النداء أيضا خمس عائلات أخرى فقدوا أحباءهم نتيجة الاحداث التي دارت رحاها بالقطاع قبل ما يزيد عن عشرة أعوام.
وفي مشهد يدل على صفاء أرواحهم ونقاء قلوبهم، تواصلت عائلة أبو جزر في مدينة خانيونس جنوب القطاع مع لجنة المصالحة لتوقيع عقد صلح بينها وبين عائلة قاتل والدهم أسعد أبو جزر الذي ينتمي إلى كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس.
وقالت العائلة: "نحن من أكثر المشجعين لهذه المصالحة، واردنا اتمامها لفتح صفحة بيضاء وبدء مرحلة جديدة يرتاح فيها المواطنون، وينتهي بها شبح القلق والخوف الذي بات يلاحقنا في كل حين".
وترى العائلة في عمل لجنة المصالحة المجتمعية فرصة كبيرة للإصلاح وتطييب خاطر ذوي ضحايا الانقسام الذين يقدر عددهم بالمئات ما بين شهيد وجريح، متمنية أن تتم المصالحة بين جميع العائلات الفلسطينية، فالشعب في قطاع غزة متضرر جداً ويعاني الويلات بسبب الانقسام، ولا بد من لم شمل الوطن وعودة النسيج الاجتماعي إلى سابق عهده.
إعادة النسيج الوطني
عضو لجنة المصالحة المجتمعية من التيار الإصلاحي بحركة فتح هشام الجعب، أكد أن تنفيذ ملف المصالحة المجتمعية جاء استجابة لضرورة ملحة بإعادة النسيج الوطني الفلسطيني وانقاذ المواطنين في قطاع غزة من أضرار الانقسام المتزايدة منذ 11عاما، خاصة بعد الإجراءات الأخيرة للسلطة والتي زادت من معاناة القطاع، مبيناً أن ملف المصالحة هو أهم وأبرز الملفات التي تم التباحث بها في وثيقة القاهرة بناء على تعليمات رئيس السلطة محمود عباس، وتمَّ الاتفاق عليه في سبتمبر 2011م.
وأوضح الجعب لـ "الاستقلال"، أن وتيرة المصالحة تسير بشكل جيد ولاقت قبولا كبيرا من قبل المواطنين الذين اكتووا بنار الانقسام البغيض عام 2007، حيث تم دفع مبلغ 50 ألف دولار "جبر الضرر" لأهالي عدد من الشهداء قبل عيد الأضحى مع توقيع وثيقة مصالحة تنازل عن حقهم القانوني واندماجهم في المجتمع بما يدفع عجلة المصالحة وانهاء الانقسام، موضحا انه سيتم استكمال باقي ملفات "الدم" لتشمل كل العائلات البالغ عددها أكثر من 600عائلة.
وذكر أن اللجنة عقدت جلستها الاولي بالتزامن شمال وجنوب قطاع غزة، للصلح بين عائلات اللداوي وأبو لبدة شمال غزة، والسلاوي (سلامة) وأبو حرب برفح، وصبح والغلبان بخانيونس، والذين قضى أبناؤهم في أحداث 2007.
ووصف الجعب، الإجراءات السابقة بأنها نافذة أمل لإزالة كافة العقبات والاوجاع التي كانت تقف أمام التئام نسيج شعبنا المجتمعي من أجل غد أفضل، لافتاً إلى عدم وجود مدة زمنية محددة لإنهاء الملف، فقد يستغرق وقتاً طويلاً نظراً لأعداد الضحايا الكثر، وباعتباره ملفا يشمل كافة الفئات وستحاول اللجنة رد الحقوق لأصحابها.
وشدد على ضرورة استجابة العائلات الفلسطينية للمصالحة المجتمعة والعمل بقوة لإغلاق ملف الانقسام، كونها تعد القاعدة الأكثر رسوخاً لدفع القادة والسياسيين للتحرك لاستكمال المصالحة الشاملة بين أبناء الشعب الفلسطيني وإعادة الوحدة والترابط بينهم.


التعليقات : 0