الشيخ: نافذ عزام
يستقبل المسلمون عاماً هجرياً جديداً ، مع دعاء حار أن يجعله الحق تبارك وتعالى عام خير وبركة عليهم وعلى الإنسانية كلها ، وسيكثر الحديث عن الهجرة وتفاصيلها والظروف التي عاشها النبي الكريم مع أصحابه ، حيث أجبرتهم تلك الظروف على مغادرة وطنهم تحت وطأة الظلم والاضطهاد والتعذيب والتضييق ، والبحث عن مكان أنسب لإقامة كيان على الأسس التي جاء بها الدين الجديد
لقد كانت هناك أحداث كبيرة عديدة يمكن أن تكون بداية تاريخ لهذا الدين ، فلماذا اختيرت الهجرة بالذات ليبدأ تاريخ الإسلام بها ومنها ؟ كان من الممكن اختيار يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، أول يوم بعثه وأيضاً هناك انتصار بدر الذي كان أول وأهم انتصار حققه الدين الجديد في مواجهة الشرك والوثنية ، ويطرح أيضا فتح مكة الذي أنهى مرحلة حافلة وطويلة من التاريخ والمواجهات ومثل انهيار أكبر وأخطر مراكز الوثنية في جزيرة العرب ، وكان بداية حقبة جديدة للإسلام ولجزيرة العرب والعالم كله ، ورغم ذلك وعندما بدأ النقاش حول الحدث الذي يؤرخ به المسلمون لحياتهم أُلهم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه باختيار الهجرة فلماذا الهجرة ؟ وما الذي تعنيه لنا اليوم نحن الذين نعيش في هذا الزمن الصعب والغريب ؟ وكيف يمكننا الاستفادة من ذلك الحدث الأكبر للإضاءة على واقعنا وحياتنا ؟ لم تكن الهجرة مجرد انتقال مكان إلى مكان ، ولكنها كانت حداً فاصلاً بين تاريخين ومرحلتين ، لم تكن مجرد تاريخ من التواريخ العديدة التي سجلتها ذاكرة الأمة ، بل كانت درساً عملياً وحيوياً في ترجمة القيم النظرية إلى سلوك وفعل ومجابهة للأخطار ، وكانت مناسبة لتقديم مفاهيم جديدة للعلاقة بين الناس والأفكار التي يؤمنون بها ، وتقديم معاير جديدة للنصر والهزيمة ، وتقريب الفعل والحضور الإلهي إلى أذهان المؤمنين وغير المؤمنين ، الخلفية التاريخية للهجرة تتحدث عن بلوغ الاضطهاد في مكة درجة مخيفة دعت النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطلب من أصحابه البدء في الهجرة إلى يثرب التي اختارها بالاسم من ربه لتكون موطن رسالته ، وموطئ القدم لدعوته « لقد أريتُ دار هجرتكم « وجاء تنفيذ الأمر النبوي دون تردد وحتى لا يلفتوا أنظار وثنية قريش ، هاجروا فرادى أو في أعداد قليلة وترك المهاجرون كل شيء خلفهم ، أموالهم ، وديارهم ، وأزواجهم ، وأشياءهم فراراً بدينهم ، وبحثاً عن المكان الذي يعطيهم فسحة الحركة والحرية لإقامة كيانهم وأداء شعائرهم ، وانتظر النبي الكريم أمر ربه له بالهجرة ، واستبقى معه الصديق أبا بكر ، وعلي بن أبى طالب رضي الله عنهما ، ورأى زعماء الوثنية في قريش خلو مكة من معظم المسلمين ، فأرادوا أن يستبقوا الأمر فعقدوا اجتماعهم النكد في دار الندوة لبحث أمر الدين الجديد الذي بات يشكل خطراً حقيقياً على مكة وزعمائها وزاد في الشعور بالخطر وصول الدعوة الجديدة إلى يثرب ودخول عدد كبير من أهلها في الإسلام ، مما زاد مخاوف قريش من احتضان المدينة للنبي ومن أمن معه ، فتداعوا إلى ذلك الاجتماع في يوم الرحمة الذي قيل انه اليوم الذي أرسل الله فيه الطير الأبابيل على جيش أبرهة، فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل ولما سألوه عن نفسه قال شيخ من أهل نجد سمع بالذي له ، فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى ألا يعدمكم منه رأياً ونصحا ، وطرحوا في الاجتماع خيارات عدة مثل النفي والسجن ، وفي كل مرة كان إبليس في صورة الشيخ النجدي يرد اقتراحهم ، بأن النفي لن يمنع وصول إسلام النبي إلى أصحابه وإلى كل الناس في مكة وغير مكة ، وأن السجن لا يقتل الأفكار يمدها بالحياة ، فطرح أبو جهل بعد طول نقاش رأياً باختيار فتى من كل قبيلة ، ليشتركوا معاً في قتل النبي ، فلا يستطيع بنو مناف ( قبيلة رسول لله ) محاربة قومهم جميعاً فيضطرون للقبول بالعقل(الدية) فأمن إبليس على قوله قائلاَ : القول ما قال الرجل هذا الرأي لا رأى غيره وتفرقوا عازمين تنفيذ هذه المؤامرة وهنا يتجلى حضور الله وفعله الذي يجب ألا يغيب عنا وعن أي مسلم جاء جبريل عليه السلام ونبه بمؤامرة الوثنيين وطلب منه ألا يبيت في فراشه تلك الليلة وخرج عليه الصلاة والسلام رغم حصارهم الكامل أخذ حفنة من التراب نثرها فوق رؤوسهم وهو يتلو آيات من سورة يسين إلى قوله «فأغشيناهم فلا يبصرون « فكانت إرادة الله فوق إرادة أبي جهل ورؤوس الكفر وإبليس معهم وهي المناسبة التي نزل فيها قول الله تعالى كما يقول ابن سعد "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، وقول الله عز وجل « أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين « هذا الدرس مهم من دروس الهجرة ، فعل الله وحضوره وإرادته ، وهي أشياء نسيناها في حياتنا اليوم ، وهي لا تتنزل إلا على من أوجد البيئة المناسبة لها، صبراً وإيمانا والتزاماً وصدقاً ، تلك الفئة تمثلت أخلاق الإسلام في كل شيء ، وكان الإسلام حاكماً وموجها لحياتنا ومشاعرها، نحو التوفيق تنزل المدد الإلهي، أما اليوم فأين نحن من تلك القيم، وتلك التوجيهات وذلك الهدى إن واقعنا المليء بالمخالفات والأخطاء والخطايا يبعد عنا الإمداد الإلهية ، ويكلنا لأنفسنا ومعاصينا هذه أحد الدروس.
الدرس الثاني يتعلق بمفهوم النصر والهزيمة فالناس تتصور أن النصر له معنى واحد فقط ، أن تسحق عودك في مواجهة حربية مباشرة فجاءت الهجرة لتقول إن مفهوم النصر أوسع من ذلك بكثير وإنما يبدو في نظرة الناس هروباً وتراجعا أو فقدان مال أو عقدا أو أرض قد يكون في بعض الأحيان نضراً حقيقيا وانجازا لا شك فيه ، لقد بدأ القرآن الكريم الحديث حول الهجرة في سورة التوبة بهذا الشكل المذهل «إلا تنصروه فقد نصره الله ، إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا « هنا تقدم الهجرة معنى جديد للحياة وصورة جديدة للنصر ، فالنبي وصاحبه كانا مطاردين ملاحقين لا يجدان مكاناً أمنا يأويان اليه ، وخلفهما مئات السيوف المغموسة في السم والأحقاد مئات الفرسان والمجرمين، من المنتصر ومن المهزوم ، النصر حليف الواثق المطمئن لما يحمل من أفكار وعقائد ، النصر حليف من يعمل لخير الناس ومن اجل إسعادهم وتخفيف همومهم ، وكما قال عليه أفضل الصلاة والسلام: « ما ظنك باثنين الله ثالثهما» فبعد الثقة والتوكل على الله والانسجام الكامل مع الحق وقيمة وأخلاقه تأتي الإجابة «إذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا ، فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها ، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم « السكينة جنود الله ، تحطيم قوة الكفر ، دعم الحق وأنصاره ، لها من صور الإجابة والاستجابة لمن فوض أمره لله ، وجد إيمانه سلوكاً وخلقاً وقرباً من الناس ، النصر لا يتنزل الا على من يستحقه ، والنصر لا يتحقق بالدعاء وحده ولا يتنزل على من ينتمي إلى قبيلة أكبر وجماعة أكبر وطائفة أكبر ، النصر له أسبابه ومعاييره وأخلاقه ويكون نصراً حتى لو كان دعاة الحق في كهف محاصرين مطاردين ملاحقين ، هذا درس آخر من دروس الهجرة .


التعليقات : 0