التحليل السياسي/ عامر خليل
اول من امس مر 24 عاما على التوقيع على اتفاق "اوسلو" وهو في زمانه المفترض ان ينتهي بعد خمس سنوات في عام 1999 وينتقل من المضمون الانتقالي الى النهائي بحل كل القضايا التي تضمنها الاتفاق... المستوطنات والحدود والامن والقدس ... وانتهاء المرحلي والولوج الى الدائم بنشوء كيان فلسطيني مستقل الا ان الانتقالي تحول الى دائم فـ"اوسلو" بات يصبغ كل مفاصل حياة الشعب الفلسطيني واستحقاقاته اثقلت كاهله فيما الكيان الاسرائيلي يتهرب منه ويصر على اجتزاء ما يخدم مصالحه الامنية والاقتصادية وبذلك تحول "اوسلو" الى ما يشبه الكارثة بنتائجه التي انتهي اليها ولكن الاهم والاخطر ما آل اليه الفلسطينيون من انقسام عمره يقترب من نصف عمر "اوسلو" فتداعياته اضحت استراتيجية وخطيرة على مستقبل القضية الفلسطينية والخروج من شرنقته وصل الى طريق مسدود حتى الان وهو ما لا يمكن ان يتحقق الا بإجماع فلسطيني يلتف حول برنامج وطني موحد.
الاخطر ان التداعيات لم تقتصر على المشهد الفلسطيني بل المشهد العربي والدولي فهو مهد الطريق امام انفتاح غير مسبوق على دولة الاحتلال فدول لم تقم علاقات مع تل ابيب او قطعت علاقاتها قبل عقود على خلفية الصراع معها اعادت العلاقات فنحو 90 دولة عربية واسلامية واجنبية اضحت عواصمها مشرعة الباب امام الاسرائيليين يستفيدون من اقتصادها ويوظفون الدخول الحر اليها لخدمة الامن الاسرائيلي فلم تكن "اوسلو" جسرا لاتفاقية وادي عربة الاردنية الاسرائيلية بعد عام من "اوسلو" بل عواصم عربية افتتحت فيها الحكومة الاسرائيلية مكاتب مصالح تجارية وانعكست في القمة الاقتصادية للشرق الاوسط وشمال إفريقيا التي جمعت الدول العربية والكيان ودولا اخرى في عمان والقاهرة والدوحة والمغرب، وايضا توثقت العلاقات مع الهند والصين ودول جنوب شرق اسيا واستفادت من اتفاقية مع الاتحاد الاوروبي في التبادل العلمي والتجاري وفي ضوء كل ذلك شهد الكيان الاسرائيلي اهم مرحلة نمو وازدهار في اقتصاده واستطاع من خلال علاقاته الغير محدودة من استيعاب ما يقارب المليون يهودي قدموا الى فلسطيني بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.
قد يجادل المؤيدون ل"اوسلو" انه وضع لبنة لكيان فلسطيني وبنى هيكلية تسهل ولادته لكن تلك البنى ثمنها السياسي والامني والاقتصادي والاجتماعي باهظ فقد ارتبطت كل مفاصل حياة الشعب الفلسطيني بالكيان الاسرائيلي الذي يمكن ان يمارس ضغوطه عبر سيطرته على المعابر وما اتاحه "اوسلو" من سيطرة امنية وادارية في وقف هذا المشروع او ذاك وهو ما يحدث في منطقة "ج" التي يحاصر البناء فيها ويهدم مشاريع يدعمها الاتحاد الاوروبي وكان الغلاف الاقتصادي الذي انشأه الاتفاق بالتوقيع على بروتوكول اتفاقية باريس الاقتصادية محطة تحكم وابتزاز اخرى فأموال الضرائب التي جمعتها حكومة الاحتلال بعد السماح للسلطة بالاستيراد من الخارج اوقفتها اكثر من مرة لأسباب ربطتها بالأمن والمواقف السياسية للسلطة التي لا تروق للاحتلال فيما الوضع الامني انتهى الى استباحة شبه يومية لمناطق "أ" و"ب" للاعتقال والهدم والتجريف.
التصنيفات التي خلقها "اوسلو" "أ" و "ب" و "ج" خدمت الرؤية الاسرائيلية المستقبلية بحصر الوجود الديمغرافي الفلسطيني في "أ" و "ب" واستخدام ادوات عسكرية واستيطانية لتهجير الفلسطينيين من منطقة "ج" التي جعل "اوسلو" السيطرة الامنية والادارية فيها بيد ما يسمى الادارة المدنية وبذلك خضع التوسع العمراني الفلسطينيون للموافقات الإسرائيلية التي نادرا ما تسمح بالبناء و"ج" في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي ستبقى تحت السيطرة الاسرائيلية وقد تضمن برنامج حزب "البيت اليهودي" بندا ينص على ضم منطقة "ج" وفيها معظم المستوطنات الكبرى وحولها بني جدار الفصل لعنصري وخشية، الانتقادات الدولية جرى الاستعاضة عنها بضم متدرج لهذه الكتل يبدأ من كتلة "معاليه ادوميم" فالأطماع الاسرائيلية توسعت في ظل "اوسلو" ومن هنا كان الازدياد الكبير في عدد الوحدات الاستيطانية والمستوطنين الذين ارتفع عددهم من مئة الف عام 1993 الى 400 الف أي تضاعف ثلاث مرات وجرت المصادقة على مئات مخططات التوسع الاستيطاني وأخطرها مخطط مستوطنة جبل ابو غنيم الذي فصل القدس المحتلة عن بيت لحم فيما مخطط البناء في منطقة "E1" الذي صودق عليه سيفصل جنوب الضفة عن شمالها ويعزل القدس عن باقي الضفة المحتلة.
ازال "اوسلو" المسئولية عن حياة الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال ونقلها للسلطة الفلسطينية التي لا تمتلك الصلاحيات والادوات اللازمة لتقديم الخدمات المدنية ومع تدهور الاوضاع الحياتية وعدم قدرة السلطة على حل مشاكل الناس انتقل التركيز من الصراع ضد الاحتلال الى الاهتمام بشؤونهم الحياتية وبقي الاحتلال مرتاحا ليعيش ما سماه الاسرائيليون احتلال ديلوكس وهو ما ازال الضغوط من جهة اخرى عن الاحتلال واوجد حالة لا يجد فيها ضاغطا كي ينهي احتلاله ويسلم بالحقوق الفلسطينية وقد تطور الامر بعد 24 عاما من "اوسلو" الى موقف يتنصل الاحتلال فيه مما ورد في "اوسلو" فالقدس ليست قابلة للتفاوض والمستوطنات لن تخلى والامن بسيطرة اسرائيلية دائمة وما يطرحه هو استمرار الحكم الذاتي الحالي مع توسيع صلاحياته قليلا.
لا شك ان حال الفلسطينيين بعد 24 عاما من "اوسلو" لا تسر احدا في ظل المعطيات التي استجدت بعد الانقسام وتداعيات ما يسمى الربيع العربي والانفتاح العربي على دولة الاحتلال واهمال القضية الفلسطينية الامر الذي يستوجب اعادة تصويب البوصلة الفلسطينية وتجاوز كل ما التداعيات الخطيرة التي صار اليها الوضع الفلسطيني.


التعليقات : 0