بقلم: إسماعيل مهرة
مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية
تذمر نتنياهو، أول أمس، من أنه لن يستطيع تلبية جميع طلبات رؤساء الحكومات الذين طلبوا لقاءه على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، وهو تذمر مجازي يحمل رسالة قوية للمجتمع الإسرائيلي ولأعداء إسرائيل أيضًا في ذات الوقت، رسالة ان إسرائيل في عهده نجحت في كسر قيود عزلتها دون ان تتوصل لاتفاق سلام مع الفلسطينيين. وكان نتنياهو يحرص دومًا على انتقاد الأصوات التي كانت تربط بين انفتاح العواصم على إسرائيل وبين تقدمها على مسار التسوية، وتمسك دومًا بفرضية ان إسرائيل قادرة على ان تكسر قيود عزلتها دون ان تتقدم على مسار التسوية، وقد أعلن ذلك صراحة قبل أيام في نهاية زيارة اعتبرها ناجحة جدًا، زار خلالها ثلاث دول في أمريكا اللاتينية.
جولته في بعض دول أمريكا اللاتينية اكتسبت مغزىً مهمًا، كونها الزيارة الأولى لأول رئيس وزراء إسرائيلي أثناء شغله منصبه الحكومي، ولأن دول أمريكا اللاتينية أو الكثير منها كانت من بين الأصدقاء التقليديين للعرب وللقضية الفلسطينية، وكان تصويتها في المؤسسات الدولية يعتبر محسومًا سلفًا لصالح المشاريع العربية.
"إسرائيل" لم تولِ أهمية للصراع على أصوات الدول الأعضاء في مؤسسات الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية، لشعورها بأنه صراع غير مجدٍ، وأنه ليس بإمكانها ان تفعل الكثير، وأن العرب سيحظون دومًا بالأغلبية التقليدية، فاكتفت سابقًا بتعزيز علاقاتها مع ما تسميها بالدول الوازنة على المستوى العالمي، وتحديدًا اهتمت بالدول الغربية، لكنها في العقد الأخير ونتيجة لأسباب كثيرة باتت أكثر ثقة بقدرتها على إحراز تقدم كبير على ساحة الصراع على أصوات الغالبية، وباتت أكثر اهتمامًا بالمؤسسات الدولية، وربما ان توجه السلطة للدخول في المنظمات الدولية حفّز "إسرائيل" كثيرًا لعدم إهمال المؤسسات الدولية، كما ان النجاحات تأتي بالمزيد من الطموح، ونجاح إسرائيل على مستوى الديبلوماسية الدولية وامتلاكها ما يمكن ان تقدمه للآخرين عزّز ثقتها بنفسها ودفعها أكثر للمزيد من النشاط الديبلوماسي.
قبل جولة التوجه الإسرائيلي للانفتاح على أمريكا اللاتينية، كان نتنياهو قد أعلن ان حكومته استطاعت أن تعود بقوة لشرق افريقيا، حيث قام بجولة لعدد من دول شرق افريقيا ووقع معها العديد من الاتفاقيات، كذلك أعلن عن العودة لغرب افريقيا في زيارة قمة لغرب افريقيا عقدت قبل أشهر في ليبيريا، وكان مخططًا أن يحضر قبل أسابيع مؤتمر افريقيا - إسرائيل في دولة توغو بحضور عدد من دول غرب افريقيا، لكن تم تأجيل المؤتمر من قبل توغو، وقد تضاربت الأسباب التي تقف خلف قرار التأجيل، وهل هو تأجيل أم إلغاء، فالخارجية الفلسطينية اعتبرت التأجيل ناتجًا عن نجاح الضغوط التي مارسها الفلسطينيون والعرب، وهناك من أرجع السبب إلى التدخل القوي من دولة جنوب افريقيا؛ بينما في إسرائيل أرجعوا الأسباب إلى حالة عدم الاستقرار السياسي والتظاهرات ضد رئيس توغو وتحرك الأقلية الإسلامية، الأمر الذي جعل من زيارة نتنياهو أمرًا غير مرغوب به.
بغض النظر عن الأسباب، حتى بحسب السبب المزعوم إسرائيليًا فإن الأمر يعني ان العلاقة مع إسرائيل لا زالت أمرًا غير عادي ويثير الكثير من الحساسيات، وإلغاء أو تأجيل القمة يعتبر بحد ذاته على الأقل تشويشًا على الطموح الإسرائيلي وإفساده لنشوة الإنجاز. كما ان زيارة نتنياهو للأرجنتين لم تمر دون احتجاجات وتظاهرات ضد استقبال من وصف من قبل آلاف المحتجين العرب والأرجنتينيين كمجرم حرب وقاتل أطفال.
مع ذلك يجب ألا نتجاهل حقيقة النجاح الكبير لديبلوماسية الحكومة الأكثر يمينية وتطرفًا في تاريخ إسرائيل، فعلى الرغم من سياساتها البطشية وانتهاكاتها الكبيرة للحقوق الفلسطينية وتنكرها لاستحقاقات السلام وتبنيها لسياسات يمينية استيطانية وتهويدية وضربها بعرض الحائط القرارات والتوجهات الدولية؛ إلا أنها نجحت بشكل كبير جدًا في كسر عزلة إسرائيل، وتحولت إلى ما يشبه قبلة الكثير من الدول، والأهم انها نجحت في تقليل مكانة القضية الفلسطينية في نظر العرب لصالح تبني قضايا أخرى تكون إسرائيل جزءًا منها.
وهنا، وعلى ذكر ما يروج من علاقات عربية إسرائيلية سرية أو شبة علنية، فإننا نعتقد بأن حجم العلاقة هو أقل بكثير ممّا يروجه الإعلام الإسرائيلي أو أي إعلام مغرض أو سطحي آخر، فإسرائيل هي مصدر كل ما يروج ويبث، ولها مصلحة كبيرة لا تعلن للعالم، أفارقة وآسيويين وغيرهم، وللعرب وللفلسطينيين وللمسلمين، ان العرب لم يعودوا أعداءً لإسرائيل، فهي بذلك تشجع الآخرين على الانفتاح عليها وتصيب الفلسطيني بالإحباط وتشجع بعض العرب الآخرين، وقد كان آخر تلك الاشاعات زيارة ولي عهد السعودية لتل أبيب، وهو أمر لا يمكن لعاقل أن يصدقه، وتم نفيه وتفنيده من قبل صحفي إسرائيلي مرموق، لكن المؤسسة الرسمية الإسرائيلية صمتت وسمحت للوزير الدرزي المتصهين أيوب قرا بأن يروج للخبر، ولو كانت حدثت الزيارة وكانت سرية لما سمحت لقرا حتى ان يعرف بها.
نجاحات إسرائيل الكبيرة في عهد نتنياهو على الساحة الدولية لها علاقة بأسباب كثيرة، تعود لما تمتلكه إسرائيل في المجالات العلمية والصناعية ونفوذها لدى الغرب ونفوذ اللوبي الصهيوني، وإلى نتائج الحروب العبثية العربية - العربية، ولكن جزءًا كبيرًا من أسباب هذه النجاحات نحن كفلسطينيين قدمناه هدية على طبق من فضة لدولة الاحتلال على شكل الانقسام والصراع الداخلي على السلطة والفشل في إدارة صراعنا مع الاحتلال، وهذا بحاجة لحساب نفس عسير ولوقفة جادة ومسؤولة.
من جهة أخرى فإن كل النجاحات الإسرائيلية يمكن ان تكون مجرد نجاحات عابرة لا يبنى عليها ولا تؤسس لما هو أبعد إذا ما أحسنّا تحمل المسؤولية، وأحسنّا إدارة صراعنا كشعب موحد يناضل من أجل حريته واستقلاله، فوزن ملايين الفلسطينيين الصامدين المدافعين عن أرضهم المناضلين من أجل حريتهم أهم مليون مرة من وزن أية نجاحات مؤقتة وعابرة لدولة الاحتلال، لكن وفي ذات الوقت فإن تراكم الهزائم وإشاعة الإحباط وفرض الكثير من الأمر الواقع الاحتلالي أمر لا يمكن الاستهانة بمفاعيله المستقبلية على مستقبل الصراع، فالزمن عامل مهم وحاسم لابدّ من أخذه على محمل الجد.


التعليقات : 0