الشيخ: نافذ عزام
في هذا الجزء من حديثنا عن الهجرة سنتناول خطوات بناء الدولة، وهي من أهم أهداف الهجرة، حيث كان لا بد من كيان يحيي القيم التي جاء بها الدين الجديد، ومن خلاله يتم صياغة النموذج الذي تتجسد فيه روح الإسلام وأخلاقه، لم يتأخر النبي عليه الصلاة والسلام في بناء الدولة الجديدة بمجرد وصوله للمدينة، وكانت أولى الخطوات هي بناء المسجد الذي مثل مؤسسة الدولة ومركز الحكم وكلمة إلاهية لم يتدخل أحد من البشر ولا النبي نفسه لتحديد مكان المسجد، إذ مرت الناقة التي كان يركبها عليه الصلاة والسلام على كثير من بيوت الأنصار وكلما مرت على عشيرة من الأنصار ألحوا على النبي أن ينزل عندهم كما قالوا يا رسول الله أقم عندنا العدد والعدد والمنعة، فيجيبهم :خلو سبيلها -أي الناقة- فإنها مأمورة حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت في المكان الذي بني فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مسجده، وكان مربداً –مكان تجفيف التمر- لغلامين يتيمين من بني النجار، أصر النبي على إرضائهما ودفع ثمن الأرض لهما قبل الشروع في بناء مسجد، وهنا درس بداية مؤسسات الدولة لا يجوز أن تقوم على الغصب و أكل حقوق الناس حتى لو تعلق الأمر بثاني أهم المساجد على وجه الأرض، وحتى لو كان قرار بنائه ومكان البناء من السماء، أي الدولة لا يجوز أن تكره الناس على شيء، ولا يجوز أن تضغط على حياة الناس ولا يجوز أن تصادر أموالهم وأملاكهم بأية حجة من الحجج، هذا من جانب وجانب آخر يتعلق بطبيعة مؤسسات الدولة وشكلها والتي ينوب عنها المسجد هنا، فكيف كان مسجد الرسول الذي هو أهم مؤسسات الدولة الناشئة بل ربما كان مؤسستها الوحيدة؟ لقد بدأ النبي وصحابته بناء المسجد من اللبن فجعله مربع الشكل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخرة مائة ذراع، وجعل أساسه قريباً من ثلاث أذرع أقيم اللبن فوقها، وجعل قبلته صوب بيت المقدس وجيء بجذوع الأشجار ليقام عليها سقف متواضع، هذه هي صفات مسجد الرسول، أرضيته الحجار والحصى وسقفه جريد النخل، لكنه مركز الدولة ومركز الحياة الجديدة التي جاء بها الإسلام، ومنه أديرت شؤون تلك الحياة، ووجهت أهم وأخطر المعارك، اليوم نبني مساجد تكلف مئات الملاين من الدولارات لكن الخيبة هي التي تطبع حياتنا، يتفنن القادة في العالم العربي والإسلامي في بناء مؤسسات الدولة التي يظهر فيها البذخ والتبذير والإسراف لكن ما النتيجة؟ فقر يتسع، أمراض تنتشر، عنف يسيطر، أجيال بلا مستقبل، ومقدسات تضيع، ما نفع المؤسسات التي تكلف مئات الملاين طالما أن الأمة تغرق في مشاكلها وهزائمها ، بل ما نفع المساجد التي نتفنن في زخرفتها وتزينها والناس تموت جوعاً وفقراً وقهراً، والنموذج الإسلامي يتعرض للتشويش والاهتزاز ، الإسلام سعى لبناء دولة لكنها ليست أية دولة ، وليست مجرد اسم، الخطوة الثانية لبناء دولة الإسلام بعد الهجرة تمثلت في كتابة الصحيفة التي تنظم العلاقة بين سكان الدولة الفتية مسلمين كانوا أم غير مسلمين ،نصت الصحيفة على علاقة جديدة تنشأ بين المنتمين للدين الجديد أنفسهم وبينهم وبين الكتل البشرية التي تعيش معهم في المدينة وابرز تلك الكتل اليهود حيث جاءت الصحيفة «بسم لله الرحمن الرحيم هذا كتاب محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاء معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة -كبيرة- ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين وأن أيديهم جميعا عليه ولو كان ولد أحدهم «إذا قررت الصحيفة وحدة الأمة وتضامن أفرادها وتلاحمهم، ونصت الصحيفة على شكل أمة جديدة من المسلمين بغض النظر عن قبائلهم وأجناسهم وألوانهم وقومياتهم وأن الحق هو الذي يجمع هذه الأمة وأنه لا محاباة ولا مجاملة لفاسد أو ظالم أو معتد، وقد كان هذا شيئا جديداً بالنسبة للعرب الذين كانت تجمعهم القبلية والعصبية العشائرية ، والآن يتجمعون على معاير جديدة يمثل الحق جوهرها وأساسها ، وذهبت الصحيفة إلى أبعد من ذلك حين تحدثت عن اليهود بشكل منصف وأخلاقي «وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسرة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وأن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم و أنفسهم وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم» لقد أقرت الصحيفة الحرية الدينية بصورة تحرج أكثر نظم العالم تطورا اليوم لقد كان اليهود معادين للدين الجديد، ولم يستقبلوا أهله بإيجابية، ورغم ذلك أعطاهم الإسلام عبر الوثيقة أقصى ما يمكن أن يحصل عليه تجمع بشرى يعيش في دولة يخالف معتقدها وثقافتها وأرادت الصحيفة بذلك أن تنسف التعصب الذي كانت تقوم عليه حياه العرب، وأقرت اليهود على معتقداتهم، وأمنتهم في أملاكهم وأموالهم، وهذا عامل مهم من عوامل بناء الدولة القوية التي تحمل رسالة أخلاقية وتسعى لتأمين حياة الناس، والخطوة الثالثة التي خطاها النبي لإقامة الدولة كانت دعوته للتآخي بين المهاجرين والأنصار، ليضمن التماسك الداخلي للدولة، المهاجرون تركوا كل شيء في مكة، والأنصار يقيمون في ديارهم وأموالهم وأهليهم، قال لهم: «تآخوا في الله أخوين أخوين « وكانت خطوة لا بد منها لتأكيد الروح الجديدة والمعاير الجديدة التي تربط الناس ببعضهم البعض بعد أن انتهت رابطة القبيلة والدم اللتان تسيطران على كل شيء، كان أبو بكر الصديق أخاَ لحارثة بن زهير ، وعمر بن الخطاب أخا لعثمان بن مالك ، كعب بن مالك أخا لطلحة بن عبد الله ، تآخى حمزة بن عبد المطلب مع زيد بن الحارث، بلال بن رياح يتآخى مع أبي رويحة الخثعمي، تلا شت الفوارق وسقطت الحواجز التي أقامتها العصبية للقبلية أو القومية، تآخوا في كل شيء وكان الواحد منهم يوحي لأخيه الجديد إذا ذهب للحرب، بل أبدى سعد بن الربيع الذي آخى النبي بينه وبين واحد من كبار المهاجرين عبد الرحمن بن عوف استعداده للتخلي عن إحدى زوجاته وعن نصف ماله لأخيه المهاجر الذي شكر له روحه وكرمه، المسألة كانت نقلة جديدة في العلاقة بين الناس، وقدمت مثلاً عملياً وحياً على ما يفعله الإسلام في نفوس أبنائه وكذلك أعطت المثال والدروس على ما يجب أن تكون عليه العلاقة بين المؤمنين، كان هذا من أهم الأسباب التي صنعت الانتصارات وقدمت النموذج المبهر الذي حطم أعتى الامبراطوريات، واليوم يتراجع هذا الرابط بين المؤمنين، أغرقتهم الخلافات، فيقتلون بعضهم، مكفرون بعضهم ويكرهون بعضهم، فما هي النتيجة المتوقعة؟ هي هذا التشتت والتراجع والشقاء وفقدان الأمل، الدول لا تقوم بالمال وحده، ولا تقوم بانتشار العصبية ولا تقوم ببناء المؤسسات الفخمة والمترفة الدول تقوم وتنتصر بالتضامن بين أفرادها ومكوناتها، بالعدل الذي يكون عمادها، بالحق الذي يكون أغلى ما عندها، بالأخلاق التي تظل أهم مسوغات البقاء وكما قال أمير الشعراء إنما الأمم الأخلاق ما بقيت **فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا.


التعليقات : 0