الاستقلال/ محمود عمر
بارك الفلسطينيون بمختلف فصائلهم وهيئاتهم الرسمية والأهلية، الجهود المصرية الكبيرة لإتمام المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام بين حركتي فتح وحماس، إلا أن ثمة تخوفات تدور في فلك الساحة الفلسطينية من أن يكون ما جرى جزءاً من صفقة سياسية يتم التحضير لها في واشنطن، يتم خلالها إسكات صوت المقاومة الفلسطينية ونزع سلاحها وإعادة غزة إلى سياسة السلطة الفلسطينية القائمة على التفاوض والتنازل.
وخلال الأيام الماضية بذلت مصر جهودا استثنائية لتحقيق المصالحة، أبرز نتائجها إعلان حركة حماس حل اللجنة الإدارية الحكومية التي شكلتها في مارس 2017، بسبب تقصير حكومة التوافق بأداء مهامها في غزة.
وعقب ذلك اجتمع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، مع رئيس جمهورية مصر العربية عبد الفتاح السيسي، على هامش اجتماعات الدورة الـ72 للجمعية العامة للأمم المتحدة. وبحث الطرفان مجمل التطورات في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي، والجهود المبذولة لإعطاء دفعة لعملية التسوية. وفي وقت لاحق، اجتمع السيسي في مقر إقامته بنيويورك، برئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، وتحدث الطرفان حول التسوية.
وكان مسؤول فلسطيني كشف لصحيفة "إسرائيل اليوم" العبرية، عن أن أمريكا كانت تنوي عقد قمة ثلاثية بين نتنياهو والرئيس ترامب والرئيس عباس قبيل انعقاد اجتماع الجمعية العمومية التابعة للأمم المتحدة أمس، ولكن مقربي ترامب أصروا على أن يتم هذا اللقاء بعد إلقاء عباس كلمته ليسمعوا ماذا سيقول في خطابه ليتأكدوا بأنه لن يحرض ضد "إسرائيل".
وبحسب مصادر فلسطينية في رام الله فإن تلك الخطوة الامريكية تم تنسيقها بين واشنطن و(تل أبيب) من أجل ممارسة ضغوط على عباس قبل انعقاد الجمعية العمومية.
واشتم الفلسطينيون رائحة طبخة سياسية تقوم بها أمريكا و"إسرائيل" سوياً، عقب كشف عضو المكتب السياسي لحركة حماس موسى أبو مرزوق النقاب في تصريحات لصحيفة القدس مؤخراً، على أن الفيتو الامريكي – الإسرائيلي عن المصالحة الوطنية لم يعد قائماً حيث تم رفعه.
وعقب هذه التصريحات، قال مبعوث الرئيس الأمريكي للشرق الأوسط جيسون جرينبلات إنه يتعين على المجتمع الدولي العمل من أجل إعادة السيطرة على قطاع غزة للسلطة.
وأضاف غرينبلات: "لقد حان الوقت لوقف مراقبة الوضع في غزة والبدء في تغيير الوضع هناك"ـ زاعماً أن معاناة سكان غزة "لن تنتهي إلا عندما تتحد جميع الأطراف المعنية لمساعدة الشعب الفلسطيني وعزل حماس. وأن المجتمع الدولي سيساعد في إعادة غزة للسلطة الفلسطينية".
وما زاد مشاعر القلق لدى الفلسطينيين نتيجة ما يحدث، تصريحات عدد من قادة حركة فتح في رام الله التي استهدفت سلاح المقاومة واعتبرته سلاحاً غير شرعي ومن بين هذه التصريحات قول الناطق باسم الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية عدنان الضميري في تصريح له: "إن الرئيس عباس لن يقبل بسلاح موازٍ للسلطة الشرعية في قطاع غزة حتى وإن استظل بظل المقاومة".
تغيير القواعد
كافة هذه المؤشرات اعتبرها المحلل السياسي أحمد عوض، دلائل على أن الإدارة الأمريكية غيرت من قواعد إدارتها لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، معتقدةً أن المدخل الرئيس لهذا الحل هو إعادة غزة إلى حضن السلطة الفلسطينية وعزل حركة حماس وسحب سلاح المقاومة.
وقال عوض لـ"الاستقلال": "واضح أن هناك خطة جديدة يتم البناء عليها تبدأ بإبرام المصالحة الفلسطينية الداخلية، وهذا يعني تقوية شرعية السلطة أمام نظر المجتمع الدولي باعتبارها ممثلة عن الشعب الفلسطيني بأكمله، ومن هنا يمكن الذهاب نحو مفاوضات مع السلطة وليس مع أحد آخر".
وبيّن أن الإدارة الأمريكية ترغب بإزالة حكم حماس وعزلها تماماً عن ممارسة الحكم، وإعادتها كحزب معارض ليس لديه أي أسهم في مراكز صنع القرار، مضيفاً: "اعتقد أن أمريكا وإسرائيل تسعيان لعزل حماس تماماً عن الحكم كي لا تقف عقبة أمام أي مشروع تسوية قادم".
ولفت عوض النظر إلى أن أمريكا و"إسرائيل" تستغلان حالة السخط على التدهور المعيشي في قطاع غزة، وتحاولان تمرير فكرة ظلامية الحكم الإسلامي الذي تسبب بالفقر والبطالة والقهر والجوع، رغم أن الحصار الذي عاشه الفلسطينيون بغزة كان ولا زال مفروضاً من قبل الكيان الإسرائيلي وليس من طرف آخر.
ونوه المحلل السياسي إلى أن أمريكا تسعى لإنهاء الحكم الإسلامي في أي مكان في العالم، باعتباره عائقاً بارزاً أمام تمرير مخططاتها، كما الحال في غزة إذ تعتبر الأحزاب الإسلامية أكبر العوائق أمام إتمام أي تسوية مستقبلية.
طبخة سياسية
المحلل السياسي حسن لافي، رأى أن هناك "طبخة سياسية كبيرة يتم الإعداد لها ضمن ما يعرف باسم السلام الإقليمي"، مؤكداً أن "إسرائيل" تحاول أن تجعل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي جزءاً من (عملية السلام الإقليمي) وليس الموضوع الأساس .
وقال لافي لـ"الاستقلال":" إن المصالحة تعتبر مطلباً فلسطينياً بامتياز بسبب المعاناة التي عاشها شعبنا ولا يزال من حصار وانقسام مستمرين، ولكن هناك مؤشرات تضع علامات استفهام على موضوع المصالحة، ويجب أن تكون هذه المصالحة خطوة للأمام نحو تحرير فلسطين وليس خطوة إلى الخلف".
وشدد على ضرورة أن يتبع إتمام المصالحة إعادة لترتيب المشروع الوطني الفلسطيني على قاعدة الحوار مع الجميع، مضيفاً: "الحديث عن المصالحة لابد أن يقربنا من فلسطين ومن حقوقنا وثوابتنا وليس العكس".
وتخوف لافي من أن يتم خلال المصالحة إسكات الأحزاب الإسلامية من خلال منحها بعض الامتيازات المعيشية مثل دمج الموظفين وما إلى ذلك، وأن يجعلها ذلك تقبل الانعزال عن قضية الشراكة السياسية والمشاركة في مراكز اتخاذ القرار.
وتابع: "ما يجري في واشنطن يحمل مؤشرات حقيقية على أن الحصار أضعف موقف حركة حماس وجعلها لا تستطيع فرض إرادتها في أي حل سياسي أو أن تكون جبهة معارضة قوية".
ومن جهة ثانية، يرى المحلل السياسي أن الإدارة الامريكية عملت بشكل كبير على تقوية جبهة الرئيس عباس وشخصيته، وخاصة بعد قمة البحر الميت التي جرت مؤخراً برعاية العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.
وقال: "شاهدنا كيف أعلن عباس وقف التنسيق الأمني رداً على وضع الكيان الصهيوني بوابات إلكترونية أمام المسجد الأقصى، ورغم أن قرار وقف التنسيق كان شكلياً، إلا أنه يعتبر خطوة غير مسبوقة من قبل عباس، كما تابعنا كيف كان الدعم العربي لعباس عندما فرض عقوباته على غزة حيث لم يطالب أحد بإنهاء هذه العقوبات".
وبيّن أن هذا الدعم العربي والغربي لعباس، يهدف لتقوية شخصيته وزيادة شرعيته وفرض سيادته على قطاع غزة بصفتها جزء من الاراضي الفلسطينية، ما يؤهله بشكل كبير الذهاب نحو مفاوضات جادة مع الاحتلال الإسرائيلي وحيداً ودون تدخل من قبل الاحزاب الفلسطينية الوازنة، الأمر الذي سيسهل من عملية تقديم تنازلات جديدة لصالح الاحتلال.


التعليقات : 0