التحليل السياسي: عامر خليل
عشية احتفالات المستوطنين بمشاركة وزراء في حكومة نتنياهو بمرور 50 عاما على بداية المشروع الاستيطاني في الضفة المحتلة على الاراضي المصادرة المقامة عليها كتلة مستوطنات «غوش عتصيون» جاءت عملية البطل نمر الجمل الاستراتيجية والنوعية على ابواب مستوطنة هار ادار بالقدس المحتلة صباح الثلاثاء الماضي لتؤكد على جملة من الدلالات المهمة في ظل جهد اسرائيلي سياسي محموم للفت الانظار عن الاحتلال والاستيطان وتصدير قضايا اخرى لاشغال العالم بها وكان ذلك واضحا في خطاب نتنياهو امام الجمعية العامة للامم المتحدة حين جعل ايران تهديدا للعالم وتجاهل الاستيطان والتهويد وجرائم جيشه ومستوطنيه اذ لا يمكن باي حال التغطية على الاحتلال والغائه من اهتمامات العالم.
العملية تبين بوضوح انها رغم مرور خمسة عقود على الاستيطان والاحتلال فان ذلك لم يوهن عزم الفلسطينيين واصراراهم على مواجهة الاحتلال والتمسك بحقوقهم الثابتة فلا يمكن للزمن وكل ما تفرضه دولة الاحتلال من واقع ديمغرافي ان يجعل الفلسطينيين يقبلون بهذا الواقع وعلى امتداد الصراع كانت المقاومة تتعدد اشكالها وتنطلق من موجة الى موجة اكثر قوة وتميزا عن سابقاتها متجاوزة الاجراءات والعراقيل التي تحاول عبرها اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية منع العمليات فالاحتلال يبقى وقود المقاومة وفتيلها بممارساته القمعية والتهويدية واستمراره بالمس بالمسجد الاقصى وتنفيذ مخططاته ببناء ما يسمى الهيكل المزعوم فيه وحصار القدس وهدم بيوتها والاستيلاء عليها وتهجير احياء باكملها.
روح المقاومة والاصرار على مواجهة الاحتلال تدركه دولة الاحتلال الا انها تحاول ان تحرف الانظار عنه عبر سياسات القمع التي تنتهجها بشكل متواصل من الاقتحامات والتوغلات والاعتقالات وسياسة العقاب الجماعي في حين ان ما يسمى التسوية او عملية السلام التي عملت من خلالها للتغطية على مطامعها السياسية في انهاء القضية وترسيخ الاستيطان لم تعد ذات جدوى فكل استطلاعات الرأي تشير الى أن الجمهور الفلسطينيي فقد ثقته في هذه العملية وبات يؤيد بغالبيته نهج المقاومة والتصدي للاحتلال بكل اشكاله، فعورة الاحتلال واضحة ولا يمكن اخفاؤها وهي لب الصراع الذي لا يمكن ان ينتهي الا بزواله وسيبقى الحديث عن السلام والمفاوضات وهما بات تسويقه كتسويق بضاعة فاسدة لا يشتريها احد.
هذه الحقائق اتى عليها رئيس الشاباك الاسرائيلي نداف ارغمان في ايجاز امني قدمه الاسبوع الماضي امام حكومة نتنياهو حيث وصف الوضع الامني في الضفة المحتلة بالهش والحساس للغاية وبانه يتمتع بمستوى ثابت تقريبا من العمليات من قبيل الطعن والدهس واطلاق النار، موضحا ان حجم العمليات المسلحة والانذارات الامنية وعمليات الاحباط الوقائية تشير الى مستوى عال من التهديد من قبل المقاومة، وكذلك من قبل الافراد او جهات ميدانية مستقلة، وفي دلالة واضحة على تجذر المقاومة زعم ارغمان ان الشاباك احبط منذ بداية العام الحالي 200 عملية ذات مغزى بينها عمليات استشهادية، وعمليات اطلاق نار وعمليات خطف ومنذ تموز الماضي اعتقلت 70 خلية محلية خطط عناصرها لتنفيذ عمليات ضد اهداف اسرائيلية.
هذه المعطيات تؤكد ان مسار عملية التسوية قد انتهى وهو على مدار العقود الماضية منذ بداية مؤتمر مدريد عام 1991 تحول الى جسر للوصول الى نهاية للصراع بما يخدم المصالح الاستراتيجية الاسرائيلية وهو ما يفسر تحول السلطة الى هيكل ضعيف لا يستطيع ان يواجه الاستيطان والتهويد وجعل نسبتهما ترتفع الى خمسة اضعف فمن 100 الف مستوطن عشية اوسلو 1993 الى نصف مليون مستوطن يحتفلون الان في كتلة مستوطنات "غوش عتصيون" بنمو وازدهار غير مسبوق للاستيطان في ظل المفاوضات وخطط السلام ومن الطبيعي في ظل فشل خيار التسوية وتوغل دولة الاحتلال ان يلتف الناس حول خيار المقاومة التي تميزت بشكلها الفردي والتي لا يمكن لاجهزة امن الكيان الاسرائيلي ان تمنعها وهو الى جانب انتفاضة المقدسيين ضد البوابات الالكترونية باتا نهجا مقاوما يتصدى للمحاولات الاسرائيلية في حسم الصراع على الارض لصالحه.
دولة الاحتلال ستبقى تدور في دائرة مفرغة ولن تستطيع عبر اجراءاتها القمعية ضد بلدة بيت سوريك بالحصار والاغلاق والتنكيل باهلها واعتقال اقرباء الشهيد الجمل بعد عملية الثلاثاء الماضي ان توقف العمليات التالية ففي كل مرة تجدد وسائلها القمعية او تعود للقديمة منها يتم اختراقها وقد نقل المحلل الامني في القناة الثانية للتلفاز الاسرائيلي روني دانييل عن خشية الجهات الامنية الاسرائيلية من تعاظم عدد العمليات ضد الاهداف الاسرائيلية في الاسابيع القادمة وخصوصا خلال الاعياد اليهودي، وتوقع تلك الجهات لمزيد من العمليات وان تكون الانتفاضة أوسع واشد، معتبرا ان نجاح عملية الثلاثاء في مستوطنة "هار هدار" سيزيد رغبة "المنتظرين على الدور" لتنفيذ عملياتهم التي ينتظرون تنفيذها، في اشارة الى انه لا ينقص منفذين.
اهمية عملية القدس النوعية انها تأتي في توقيت مهم يأتي فيه مبعوث الادارة الامريكية غرينبلات الى المنطقة للبحث مجددا في مسار التسوية والمفاوضات ومحاولة فرض خطة امريكية تتوافق مع الرغبات الاسرائيلي في تصفية القضية الفلسطينية والعملية هنا ترسل بإشارة واضحة الى كل الاطراف ان اية مخططات من هذا الشكل لن تمر وان خيار الشعب الفلسطيني التخلص من الاحتلال والتصدي له بكل اشكال المقاومة والمصالحة الجارية الان في المشهد الفلسطيني يجب ان تدعم هذا التوجه وتؤكد عليه باحباط مشاريع التسوية الامريكية الاسرائيلية والاصرار على انهاء كامل للاحتلال.


التعليقات : 0