رغم أعوامها الـ 69

النكبة لم تكسر روح الفلسطينيين أو تدفعهم إلى الاستسلام والاندثار

النكبة لم تكسر روح الفلسطينيين أو تدفعهم إلى الاستسلام والاندثار
فلسطينيات

التحليل السياسي/عامر خليل

يوم النكبة التاسع والستون يؤكد ان النكبة مستمرة وتتضاعف مع تزايد اعداد اللاجئين الذين لم يشهدوا احداثها المأساوية والذين مروا بمحطات اشد قسوة من هذه الاحداث في محطات لاحقة لكن تبقى النكبة شاهدة على اكبر جريمة ارتكبتها دولة الاحتلال الاسرائيلي عندما شردت اكثر من 850 الف فلسطيني خارج وداخل فلسطين وتحولوا الى لاجئين باتوا يشكلون الان 60% من الشعب الفلسطيني، أي انه لا يمكن بأي حال محو اثار النكبة او التغطية عليها ففصولها التراجيدية تنتقل من جيل الى جيل  ومهما طال الزمن فإن الذاكرة لن تنسى الجرائم الصهيونية التي ارتكبت في هذه النكبة.

 

واذا كان الكيان الذي نشأ بعدها يراهن على الزمن كي ينسى الفلسطينيون بلادهم وبيوتهم فان عقودا ستة من النكبة واجيالا نشأت بعدها تؤكد العكس تماما.

 

نعم جيل النكبة الذي عاصرها يكاد يختفي الا ان شهادته المسجلة والشفهية تشير الى طبيعة المخطط الذي اعدته ونفذته الحركة الصهيونية منذ قرن ليس بمفردها بل بمساعدة دولة الانتداب بريطانيا ثم الولايات المتحدة اثناء وبعد الحرب العالمية الثانية التي وفرت الغطاء الدولي للاعتراف بالكيان الاسرائيلي في الامم المتحدة، واكثر من ذلك فان الشهادات التي سربت من الارشيف الاسرائيلي ونشرها المؤرخون الاسرائيليون الجدد تؤكد وتدعم ما جاء في شهادات جيل النكبة فالمخطط كان واضحا في تهجير الشعب الفلسطيني واحتلال بيوتهم وقراهم ومدنهم عبر المجازر التي ارتكبت بتخطيط مسبق والتي لم تبدأ او تنتهي بمجزرة دير ياسين (9-4-1948) وهي كغيرها لم تترافق مع تاريخ النكبة فهناك العشرات من المجازر التي نفذت قبل الخامس عشر من ايار 1948.

 

رغم كل الحقائق السابقة فان النكبة تحتاج على الصعيد الفلسطيني الى مراجعة خاصة واستخلاص العبر رغم مرور 69 عليها فأسباب الهزيمة العربية والفلسطينية في عام 1948 لازالت قائمة والتراجعات التي شهدها وما يزال المشروع الوطني التحرري الفلسطيني لم تختف واهم ما يدعم ذلك ان انقساما حادا قائما منذ عشر سنوات في الحالة الفلسطينية مع تشتت الرؤى والمواقف حول سبل الخلاص من الاحتلال ما بين مسار التفاوض مع الاحتلال والمقاومة بكل اشكالها لكن يبقى التراجع الاكبر بعد هزيمة 1967 والاحتلال الاسرائيلي لـ 22% الباقية من ارض فلسطين التاريخية عندما قبلت الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية بوجود اسرائيل في حدود 48 أي 78% من مساحة فلسطين ثم بدأ مسلسل التراجع بعد ذلك في نسبة الـ 22% بالقبول باقل منها دون اقامة كيان فلسطيني سيادي وقد تبين ذلك مع المشروع التحرري المرحلي الذي اقره المجلس الوطني عام 1974 بالقبول بإقامة سلطة فلسطينية وطنية على أي جزء من ارض فلسطين وجسد اتفاق "اوسلو" ذلك عام 1993 بإقامة السلطة وتقسيم الضفة المحتلة الى مناطق "أ" و "ب" و "ج".

 

ليس ما يطرح هنا جلداً للذات  بقدر ما يدخل في سياق المراجعة والتي دونها لا يمكن اكمال عملية التحرر في ظل الضغوط التي تمارس ضد الجميع بما فيها القوى والتنظيمات الفلسطينية للتراجع عن التحرير والقبول بالأمر الواقع الذي تفرضه دولة الاحتلال، فما يحدث في الانقسام الفلسطيني يعتبر نكبة فلسطينية صنعت بأيد فلسطينية ودون تجاوزها لا يمكن باي حال انجاز او انتزاع أي حق من الحقوق المشروعة الثابتة للشعب الفلسطيني فالانقسام نكبة وعقبة كأداء تؤخر التحرر الوطني وتوفر ارضية مريحة لدولة الاحتلال لترسيخ مشروعها الاستيطاني والتهويدي في القدس بعدما انكفأت على نفسها من داخل قطاع غزة واعادت نشر قواتها على حدودها وباتت تتحكم في مجالاته البرية والبحرية والجوية، وهذه المعادلة في عدم استقامة الانقسام مع التحرر اذا لم تكن حاضرة في تقييم الحالة الفلسطينية ومراجعة الذات في يوم النكبة الـ 69 فان الخلل سيبقى قائما في المشهد الفلسطيني وستتواصل فصول النكبة.

 

صحيح ان الواقع صعب والنكبة تكمل عامها الـ 69 ولا يلوح في الافق مؤشرات عملية على تغيير مسار النكبة الى التحرر الا ان الشعب الفلسطيني الذي عانى ويلات التشرد لم ينس النكبة وما ترمز اليه من التمسك بالعودة والتحرر من الاحتلال فسنوات النكبة الطويلة شهدت جيلا بعد جيل بلورة ثقافة المقاومة للاحتلال ومحو آثاره، والتي تؤكد على رفض الكيان الاسرائيلي الذي نشأ على ركام قراهم المهدمة واجساد اجدادهم الذين استشهدوا في مجازر النكبة، ومن هنا فان دولة الاحتلال عجزت تماما عبر كل إجراءاتها التهويدية والاستيطانية ودعايتها ومخططاتها السياسية التصفوية للحقوق الفلسطينية في خلق حالة فلسطينية تقبل بها على قاعدة التخلي عن الحقوق بل ان مخططها لمحو ذاكرة فلسطيني الـ 48 اخفقت ايضا فهم يؤكدون على هويتهم الوطنية الفلسطينية في كل مناسبة ومن بينها النكبة فيحملون العلم الفلسطيني ويصعدون نحو قراهم المدمرة او التي استوطنها يهود في مشهد يتكرر كل عام في ذكرى النكبة وينتقل الى الاجيال الجديدة.  

 

النكبة شردت الشعب الفلسطيني لكنها لم تكسر روحه او تجبره على الاستسلام والاندحار او الاندثار فمجتمعات الفلسطينيين في كل مكان تزخر بفعاليات متواصلة تؤكد التمسك بفلسطين الوطن والعودة اليه والرواية الفلسطينية اضحت حاضرة بقوة في كل مكان في ارجاء العالم تواجه الرواية الاسرائيلية وتسقطها وتفضح الممارسات الاجرامية التي خلقت دولة الاحتلال القائمة على رقاب الفلسطينيين وبيوتهم وقراهم المدمرة.

 

 

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق