التحليل السياسي/ عامر خليل
في مثل هذا اليوم قبل 22 عاما اغتال الموساد الاسرائيلي مؤسس حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين الدكتور فتحي الشقاقي رحمه الله في اول استهداف لزعيم حركة فلسطينية وكان لهذا الاغتيال دلالاته المهمة في سياق تأصيل الصراع مع الاحتلال فمؤلف كتاب « نقطة اللاعودة « الذي يبحث في عملية اغتيال الشقاقي لرونين برغمان يوضح ان القرار بالاغتيال جاء في ضوء ادراك اسرائيلي انه لا يمكن التفاهم مع حركة الجهاد الاسلامي لا في بداية الطريق او منتصفه او نهايته فيما عوزي رابي مدير مركز موشيه ديان للدراسات الامنية يشير الى ان الشقاقي قام بإضافة شكل جديد للنشاط الفلسطيني اكثر عسكرية ودموية وكان معتقده ان فلسطين لن تتحرر الا بالكفاح المسلح ،كفاح مسلح شديد الوقع.
بهذا المعنى يمكن فهم طبيعة الدور الذي لعبه الشقاقي وحركته في سياق الصراع مع الكيان الاسرائيلي من جهة التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية وابعادها الدينية والتاريخية في الوعي العربي والاسلامي فهو تحرك في تجاه استنهاض كل قوى الامة العربية والاسلامية من اجل تحرير فلسطين وردد ان من فتحها عمر بن الخطاب وحررها صلاح الدين الايوبي لا بد من دور عربي واسلامي لتحقيق ذلك ودور الفلسطينيين ليس التحرير لادراكه ان قوتهم لن تستطيع التحرير، وانما ابقاء شعلة الصراع متواصلة ومستمرة وهو الدور الذي قامت به حركة الجهاد الاسلامي بكامل ما امتلكت من امكانيات بشرية ومادية، ويشهد تاريخها في العمل المسلح على ذلك.
الشقاقي رحمه الله جاء بمشروعه في لحظات فارقة في تاريخ المنطقة العربية والاسلامية حيث خرجت مخططات حرف الصراع عن فلسطين واثارة الصراعات المذهبية والطائفية الى حيز العمل في نهاية السبعينات فقد كان الغزو السوفيتي لافغانستان فرصة متاحة لتوجيه الطاقات نحو افغانستان وتحويل تلك الطاقات الى اداة بيد الولايات المتحدة من اجل تحقيق مصالحها في المنطقة في سياق صراع القطبين آنذاك، وقد كان العرب جاهزين لدعم هذا المشروع بشريا وماديا بتبني مشروع الجهاد في افغانستان وبداية تهميش فلسطين التي تتناقض مع العلاقة الامريكية الاسرائيلية الاستراتيجية فوجدت واشنطن في افغانستان فرصة ذهبية من اجل توجيه الجهود والطاقات نحو افغانستان وهنا تكاثرت ونمت الادبيات الاسلامية التي جعلت من افغانستان قضية مركزية وضرورة دينية فيما الاقصى وفلسطين مغيبة ثم جاء دفع العراق الى فتح جبهة مع ايران بحرب استمرت ثماني سنوات وبتمويل عربي لتكمل المشهد الذي تريده اسرائيل والولايات المتحدة ليكون بداية لاستعادة النزاعات المذهبية والطائفية في العالم العربي والاسلامي.
ادرك الدكتور فتحي الشقاقي بقراءته الواعية وفهمه لأبعاد التحولات في المنطقة خطورة ما يحدث فجاء بمشروعه الذي قلبه فلسطين والجهاد من اجلها وليس أي مكان اخر، فاسرائيل قلب الشر ومكمن الخطر ورأس المشروع الغربي في المنطقة ودون زوالها فان الاخطار المحدقة بكل المنطقة لن تتوقف وهو من اللحظات الاولى رغم البدايات الاولى سكن في تفكيره وحسه وقلبه تفعيل الجهاد في فلسطين .وقبل ان يعود الى فلسطين من مصر كان سؤال الجهاد حاضرا لديه وكان العمل المسلح خلفية الاعتقال الثاني له منتصف عام 1986، ومن هنا فان اول خلية عسكرية أنشئت كانت في بداية الثمانينيات واول عملية عسكرية وقعت عام 1982 ونفذها الاسيران المحرران محمد الحسني واحمد ابو حصيرة لتتوالى العمليات بعد ذلك من الطعن بالسكاكين الى المواجهات المسلحة والهروب الكبير من سجن غزة المركزي والعمل الاستشهادي و"بيت ليد" التي كانت بصمة غير مسبوقة، احد الاسباب في قرار رابين اغتياله، فيما الاعتقال الاول عام 1983 على خلفية منشورات ثقافية تبشر بالجهاد فيما عرف بضربة الطليعة تأكيدا على توجهاته لتفعيل العمل المسلح في فلسطين دون تأخير.
بهذا الوعي انطلقت حركة الجهاد الاسلامي في مشروعها لتعيد مركزية الصراع واستعادته نحو فلسطين، والمفارقة هنا ان الادراك الذي كان لدى الدكتور فتحي رحمه الله في انطلاقة مشروعه قبل ما يقارب الاربعين عاما يتكرر الان فما حدث منذ سبع سنوات وفجر الصراعات المذهبية والطائفية في عدد من الدول العربية يراد منه حرف البوصلة الى فلسطين والتي قال عنها الشقاقي بوصلة لا تشير عن فلسطين هي مشبوهة وهو ما تحقق، فالانشغال هو بتداعيات الصراعات وما خلفته من دمار وتخريب ولجوء لملايين الناس ،فالمراد اشغال الجميع بانفسهم ونسيان الاحتلال وتفكيك جبهات المواجهة فالجبهة الشرقية كما تسميها اسرائيل تفككت بغزو العراق وما حدث في سوريا منذ عام 2011.
الامر لا يقتصر على ذلك فالمخطط اكبر يراد منه اشعال الصراع بين الدول وليس داخلها فقط وهو عنوان تصدير ايران عدوا وخطراً مشتركا لاسرائيل ودول الخليج وتشكيل محور مشترك ضدها وصولا الى المواجهة المسلحة وهو ما يخطط له نتنياهو الآن مع ادارة ترامب وشركائه الزعماء العرب الذي يلتقونه في السر في اكثر من عاصمة، وكل ذلك يؤكد ان المحاولات لحرف الصراع عن اسرائيل لم تتوقف وهي تبلغ ذروتها الان.


التعليقات : 0