المنسق الجديد بلوم سيصطدم بما واجهه المنسق السابق لوتان

المنسق الجديد بلوم سيصطدم بما واجهه المنسق السابق لوتان
اسرائيليات

الاستقلال/ مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية

استقالة المنسق السابق للأسرى والمفقودين ليئور لوتان قبل أشهر، أدخلت ملف الأسرى إلى حالة من الجمود، وأثارت نقاشات وسجالات من قبل أهالي الجنود الأسرى، حملت انتقادات واضحة لما اعتبر إهمالا من المستوى السياسي لمصير الأسرى الجنود، لا سيما وأن استقالة لوتان قرئت على أنها تعبير عن عجزه وفشله في إقناع الحكومة بالموافقة على أيّ من الاقتراحات والصيغ التي استطاع التوصل إليها أو التي تمكنه من أن يبني عليها صفقة، وعلى إثر الاستقالة صرح ليبرمان بأنه لا ينوي تعيين منسق جديد قبل تبني الحكومة لتوصيات لجنة القاضي مئير شمغار بخصوص موضوع مبادلة الأسرى، لكن ومع ضغط العائلات - لا سيما عائلتي غولدن وشاؤول - خضعت الحكومة واختارت منسقًا جديدًا، يارون بلوم الذي صرح مع دخوله لمنصبه الجديد بأنه سيقلب كل حجر لإعادة الجنود.

 

نقدّر بأن بلوم يمتلك مهارات شخصية وإصرارًا كما امتلك سابقوه من المنسقين، لكن إنجاح صفقة التبادل لا ترتبط فقط بطبيعة الشخص المنسق وصفاته؛ فهي ترتبط وترتهن قبل كل شيء آخر بمخرجات مكاسرة الإرادات التي تدور بين المقاومة ودولة الاحتلال، وبحجم تداعيات ذلك على العائلات والمجتمع المدني الإسرائيلي، وإن لم يحدث تغيير كبير فإن بلوم سيصل عاجلًا أم آجلًا لما وصل إليه سابقًا المنسق السابق لوتان.

 

يارون بلوم، المنسق الجديد من طرف رئيس الحكومة بشأن الأسرى والمفقودين، بدأ بالعمل الأسبوع الماضي. لقد بدأ مهامه بالاجتماع بأربع من عائلات الأسرى المحتجزين بغزة من قبل حماس، وبحضور ممثلي «الموساد»، جهاز الاستخبارات و»الشاباك» المتخصصين بهذا الشأن، ومن المفترض أن يلتقي بوزير الجيش أفيغدور ليبرمان، الذي كان يعتقد حتى وقت قريب أن وظيفة المنسق لا حاجة لها. سلف بلوم، ليئور لوتان، استقال قبل حوالي شهرين، بعد مرور ثلاث سنوات على إشغاله منصبه.

 

بلوم تعين في هذا المنصب من طرف نتيناهو، الذي درس فكرة تعيين بعض المرشحين قبل ان يختار بلوم، حيث اجتمع به عدة مرات لإجراء محادثات تمهيدية ورسم خارطة للأمور. حتى وقت قريب كان هناك تقدير في نظام الأمن أن المرشح للمنصب كان شخص آخر، وهو رئيس فرع القدس والضفة الغربية في «الشاباك»، حيث وافق عليه ليبرمان، غير ان نتيناهو أخذ قرارًا آخر.

 

يعتبر بلوم (58 عامًا) في الأوساط الأمنية مرشحًا جديرًا بالاهتمام، بعد خدمته العسكرية في «غولاني» تجند للشاباك وخدم في مناصب منسق (ضابط جمع معلومات ومشغل للعملاء) في لبنان، وخصوصًا في صفوف عرب الداخل، في القسم الشمالي للمنظمة، بعد ذلك انتقل ليصبح رئيس قسم المنسقين، ومن ثم انتقل لقسم الأمن، وأُرسل ليصبح ضابط أمن في باريس، وفي ميونخ وروما. مع عودته لإسرائيل عمل في قسم العلاقات الخارجية للشاباك، وكان ممثلًا للمنظمة في فريق المفاوضات برئاسة المنسق دافيد ميدان، لصفقة إطلاق سراح جلعاد شاليط، التي أطلقت بها إسرائيل سراح أكثر من 1000 اسير فلسطيني. اليوم، صفقة كهذه تُعتبر مؤسفة في وعي القيادة الإسرائيلية، ومن الصعب على بلوم تعزيز صفقة مع حماس.

 

بلوم - كما سابقيه - يتمتع بكفاءة عالية وقدرة على التنسيق لتقديم صفقة مقبولة، وتُسخر لخدمته كل الأدوات الحكومية تقريبًا دون قيود، معلومات استخباراتية سرية، الوصول لوسطاء دوليين وميزانية كبيرة نسبيًا، بحيث تسمح له ولطاقمه السفر حول العالم؛ لكن في نهاية المطاف فالمنسق الذي يدير المفاوضات لإطلاق سراح الأسرى وإعادة جثثهم هو نفسه أسير لرئيس الحكومة ووزير الجيش والكابينت.

إسرائيل لا تمتلك سياسات واضحة متعلقة بشؤون الأسرى والمفقودين، خلافًا لدول أخرى. جزء كبير من الدول (مثل فرنسا، دول أخرى في غرب أوروبا، السعودية ودول الخليج) تخضع للتنظيمات الإرهابية وتدفع فدية لتحرير مواطنيها وجنودها، بينما الولايات المتحدة تحاول ألا تخضع للمطالب وتتجاهل احتجاجات عائلات المفقودين. خلافًا لاسرائيل، وسائل الإعلام الأمريكية مقيدة جدًا ولا تلعب دورًا مركزيًا في الأمر. روسيا، ليس فقط لا تسارع بالخضوع؛ بل ترد بنهج العين بالعين، فعندما خطف دبلوماسيون روس في لبنان، خطف الروس أفرادًا من عائلة المنفذين، قطعوا أصابعهم وأرسلوهم للخاطفين.

 

إسرائيل حاولت استخدام جميع هذه الأساليب، لقد كانت مستعدة لدفع فدية وحتى تزويد سلاح (لحزب الله مقابل الطيار رون أراد)، خطفت رهينة كورقة مساومة، احتجزت جثث (ابن نصر الله)، ورفضت الاستسلام. لنكن دقيقين أكثر، يجب القول بأن الطريقة التي انتهجتها اسرائيل هي الخط المتعرج، قادتها يتحدثون بعلو صوتهم انهم لن يخضعوا للإرهاب، ولكنهم فعليًا خضعوا أكثر من مرة.

في صفقة أحمد جبريل في 1985 (1150 اسيراً مقابل 3 جنود)، في صفقة الحنان تانينباوم في 2004 الذي اختطفه حزب الله (450 اسيراً مقابل تانينباوم وجثث 3 جنود)، وفي صفقة جثث الجنود الداد ريغيف وايهود غولدفيسر في 2008 (أطلقت اسرائيل سراح سمير قنطار الذي تم اغتياله في 2015، و199 أسيراً) وكذلك صفقة شاليط؛ كل تلك الصفقات وغيرها تم تنفيذها بعد ان غيّر رؤساء الحكومات ووزراء الجيش رأيهم (إسحاق رابين، أريئيل شارون، ايهود أولمرت وبنيامين نتيناهو)، لقد خضعوا لضغوطات العائلات والإعلام أو عملوا حسب تداعيات سياسية.

 

ليس من المستبعد أن بلوم عاجلًا أم آجلًا سيصل إلى ما وصل إليه لوتان؛ ليس فقط انه ليس لديه صلاحيات، بل انه أيضًا لا يمتلك الحرية لإجراء مفاوضات. يبدو أنه بالفعل - إن لم يكن بقرار رسمي - تتبنى الحكومة نتائج «لجنة شمغار» وترفض الخضوع لمطالب حماس. لوتان - مثل سابقيه - حاول تشغيل طرق وصول لحماس، زعماء دول، رجال دين وشخصيات ذات مكانة أخلاقية، كذلك منظمات استخباراتية ووسطاء من دول مختلفة. حتى إن كان هناك من هو مستعد للتهاون والاستجابة لمطالب حماس، سواء في وسط الاستخبارات أو الجيش؛ فإن إمكانية ان يحدث ذلك ضعيفة. ليبرمان - الذي فقد ثقة الجمهور به حين أعلن انه حين يتعين وزيرًا للجيش فإن على اسماعيل هنية ان يبحث عن مقبرة في غضون 48 ساعة - لن يوافق على صفقة تشكل تجاوزًا كهذا.

هذه المرة الظروف سهلة بالنسبة لنتنياهو وليبرمان، حماس ليس بيديها سوى جثث وليس جنود أحياء، والمواطنون الآخرون يعانون مشاكل نفسية، وهم من توجهوا بكامل رغبتهم لغزة، وكذلك من المعروف أن كونهم بدواً ومن أصل أثيوبي؛ فليس هناك أي حملة عامة تدعمهم مثلما حدث مع شاليط.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق