فصائل: استئناف السلطة التنسيق الأمني ليس مفاجئاً وهو سياسة مرفوضة
غزة/ محمود عمر
أثار نبأ عودة السلطة الفلسطينية للتنسيق الأمني الكامل مع سلطات الاحتلال العسكرية والأمنية، قلقاً كبيراً في قطاع غزة في الوقت الذي تمضي فيه جهود المصالحة لإعادة غزة بمعابرها وأجهزتها الأمنية المختلفة إلى حضن السلطة.
وكانت القناة العبرية الثانية، كشفت النقاب الجمعة الماضية، عن استئناف أجهزة الأمن الفلسطينية التنسيق الأمني مع الجيش والشاباك الصهيوني، بشكل كامل، وذلك بعد 3 أشهر على قرار رئيس السلطة محمود عباس بوقف التنسيق احتجاجاً على نصب البوابات الإلكترونية على مداخل المسجد الأقصى.
وما يثير المخاوف هنا، هو تطبيق تفاهمات التنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال في القطاع الذي يعتبر كنزاً معلوماتياً كبيراً بالنسبة إلى "إسرائيل"، لما في القطاع من استعدادات عسكرية تخص المقاومة الفلسطينية مثل الأنفاق والمواقع العسكرية والمرابض والمنازل الآمنة، فضلاً عن وجود جنود إسرائيليين مفقودين تطمح حركة حماس لإبرام صفقة تبادل جديدة من خلالهم.
وأدى التنسيق الأمني في الضفة الغربية المطبق منذ نحو ثلاثة عقود من الزمن، إلى تجفيف مظاهر المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، من خلال تقديم السلطة معلومات عن مقاومين أو عن معامل لصناعة الوسائل القتالية وأماكن وجودها وتخزينها، للاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي ساهم بخفض مستوى عمليات المقاومة المنظمة بشكل كبير، وهي النتيجة التي قابلها الشعب الفلسطيني بإطلاق الانتفاضة الشعبية والعمليات الفردية ضد الاحتلال.
وتشير إحدى الوثائق المسرَبة عن التنسيق الأمني إلى مدى "نجاحات" التعاون الفلسطيني الرسمي والاحتلال، فتؤكد أنه تم اعتقال ما يقارب 3700 من منتسبي المجموعات المسلحة، واستدعاء حوالي 4700 شخصاً للمساءلة تحت جنح مختلفة، بما في ذلك الانتساب إلى مجموعات مسلحة، ومصادرة ما يزيد عن 1100 قطعة سلاح، والاستيلاء على ما يزيد عن مليونين وخمسمائة ألف شيكل تابعة لمجموعات مسلحة، ومصادرة العديد من المواد بدواعي "التحريض على العنف".
ويعتبر التنسيق الأمني أحد بنود اتفاق "أوسلو"، الموقع بين منظمة التحرير و(تل أبيب) عام 1993، وينص في بعض بنوده على تبادل المعلومات بين أجهزة أمن السلطة وسلطات الاحتلال.
التنسيق لم يتوقف
وأكدت حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين، أن استئناف التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والاحتلال ليس أمراً مفاجئاً، لوجود مؤشرات كثيرة على أن التنسيق لم يتوقف من الأساس. وأوضح داود شهاب مسؤول المكتب الإعلامي في الحركة، في تصريحات صحفية أنه ربما كان هناك تجميد لبعض المستويات من التنسيق الأمني بعيد إعلان رئيس السلطة أبو مازن عن ذلك في 21 يوليو تموز الماضي، لكنه لم يكن هناك وقف تام.
وتابع شهاب قوله: "التقارير الصحفية رصدت العديد من الوقائع التي شهدت تنسيقاً أمنيا بين السلطة والاحتلال بشكل واضح، كما أن التنسيق الأمني عاد بشكل تدريجي، والآن هناك ما يدلل على أنه قد عاد كما كان الحال عليه من قبل إعلان التجميد".
وطالب شهاب السلطة الفلسطينية بوقف التنسيق الأمني، والالتزام بالإجماع الوطني الرافض لكل أشكال التنسيق.
أمر مرفوض
بالنسبة إلى حركة حماس، فهي تنظر بقلق بالغ حيال قرار عودة التنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال، وقال القيادي فيها يحيى موسى لـ"الاستقلال": "إن عودة السلطة للتنسيق الأمني أمر مرفوض شعبياً وفصائلياً ولا يصب إلا في مصلحة الاحتلال الإسرائيلي".
وأضاف موسى : "هناك إجماع فصائلي على رفض التنسيق الأمني، حتى الفصائل التي تنتمي إلى منظمة التحرير الفلسطينية ترفض هذه الحالة التي تضر بقضيتنا الفلسطينية وبالمقاومة بكافة أشكالها وكذلك الحال في كل مكونات شعبنا الفلسطيني".
وبيّن أن التنسيق الأمني، أحبط الكثير من عمليات المقاومة، وسلم الكثير من المقاومين للاحتلال، وأدى إلى ضياع جهود شعبنا في مقاومته للاحتلال، مؤكداً أن الاحتلال هو المستفيد الوحيد من استمراره، وتساءل في الوقت ذاته عن الفائدة التي يجنيها الفلسطينيين جراء استمرار التنسيق الأمني .
وحول مخاوف انتقال التنسيق الأمني لقطاع غزة، قال موسى: "إن شعبنا بفصائله ومكوناته يرفض مثل هذه التفاهمات الأمنية بين السلطة والاحتلال، كما أن تفاهمات المصالحة لا تزال تمضي قدماً، وأنا أثق أن حماس لن تقبل بوجود قوى أمنية تتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي بغزة".
وتابع موسى: "إن قوى المقاومة الفلسطينية لم تعد مجموعات متفرقة يسهل القضاء عليها كما كانت في الماضي، بل أصبحت جيشاً متكاملاً لديه استراتيجية وبنى تحتية وعقيدة عسكرية وتعبئة وحشد وتوجيه معنوي، كما أن لديها أجهزة خاصة بأمنها".
وطالب القيادي في حماس، السلطة الفلسطينية بوقف التنسيق الأمني وعدم العودة إليه، معتبراً أن هذه التفاهمات تقوض أي جهود سواء عسكرية أو سياسية أو دبلوماسية لإنهاء الاحتلال.
قربان وإذعان
ويرى المحلل السياسي عبد الستار قاسم، أن استمرار التنسيق الأمني بين "إسرائيل" والسلطة، هو قربان تقدمه الأخيرة للأولى من أجل مباركة جهود السلطة في استعادة قطاع غزة إلى سيادتها.
وقال قاسم لـ"الاستقلال": "لا يمكن أن يكتب للسلطة الاستمرار على قيد الحياة دون استمرار التنسيق الأمني وهو الغاية التي وجدت السلطة من أجلها، لذا فإن ضمان بقائها على الأرض مرهون بتنفيذ سياسة التنسيق الأمني".
وبيّن أن التنسيق الأمني يحمل خطراً كبيراً على المقاومة في غزة، وخاصة إذا ما قررت السلطة نقل أمن غزة بالكامل تحت شرعيتها وسيادتها، مضيفاً: "ما حققته القوى الأمنية بغزة خلال 10 سنوات من تنظيف الجبهة الداخلية وتقوية المقاومة، يمكن أن يهدم خلال ساعات قليلة من التعاون الأمني بين السلطة والاحتلال".
وأوضح قاسم أن التنسيق الأمني يقوم على قاعدة تبادل المعلومات الأمنية بين السلطة والاحتلال حول عناصر المقاومة وسلاحها، والنشاطات السياسية التي تخص الفصائل والقوى والمنظمات والطلبة، والقضاء على أي نشاط من شأنه أن يضر بأمن الاحتلال عبر الاعتقال والاستدعاء السياسي المتلاحق.
ولفت المحلل السياسي النظر إلى أن مسمى التنسيق الأمني يندرج تحته العديد من السياسات والممارسات غير الوطنية، مثل تنظيم الدوريات المشتركة بين السلطة والاحتلال، وملاحقة سلاح المقاومة، واعتقال المقاومين وملاحقة أموال التنظيمات وطرقهم في التسلح والاستعداد العسكري لمواجهة الاحتلال في أي معركة مقبلة.
وشدد قاسم على أن السلطة لا تستطيع وقف التنسيق الأمني بأي شكل من الأشكال، وتابع: "لا اعتقد أن السلطة أوقفت هذا التنسيق الأمني يوماً، وعندما تقرر حقاً وقفه ستكون جيبات الاحتلال العسكرية داخل مقر المقاطعة في رام الله".


التعليقات : 0