عاش يتيماً ومات شهيدا

مصباح شبير .. أتم مراسم شهادته قبل زفافه

مصباح شبير .. أتم مراسم شهادته قبل زفافه
مقاومة

غزة / آلاء المقيد

"يا روح الصباح.. صباح الخير" بدت ملامحه مستبشرة ضاحكة وهو ينظر إلى ست الحبايب، يُلقى تحية الصِباح عليها ليذهب إلى عمِله، لم يكن هذا الصباح الأول الذي تجِد فيه أم مصباح ابنها بهذه الوداعة والخِفة، فهو اعتاد أن يُغلف بالحُب لحظات وجوده معها قائلا لها : "بدك شيء يمه؟ لترد عليه "بدي سلامتك يا حبيبي مع السلامة".

 

وككل يوم تركت قلبها معه، وتاهت في انشغالات البيت، تُرتب وتطبخ، وتارة يشرد ذهنها في اليوم الذي ستفرح بصغيرها الذي كبر فجأة بين يديها فصار شاباً يافعاً يطلب الزواج منها،" والله كبرت يا مُصباح" قالت هذا وبدت على ملامحها ابتسامة عريضة:" يوم السعد يوم أشوفك عريس يا حبيبي".

 

وبينما هي غارقة في تفاصيل الفرح، على الضفة الأخرى من المشهد كان مُصباح قد جاءه اشعار أنه تم قصف أحد أنفاق المقاومة شرق خانيونس وعليه الذهاب مع مجموعة من رفاقه لنجدة المقاومين هناك، ذهبوا لاهثين خوفاً على إخوانهم.

 

أما أمه فاستفقدته فساورها الخوف عليه وكانت تهتف يارب وكفها تتجهان نحو عليائه: « احفظ لي ولدي، احفظه أينما ولي وجهه». 

 

ساعات ثقيلة

 

مرّت الساعات ثقيلة، أنفاسها متسارعة ما السبب الذي يجعل مصباح يتأخر كل هذا الوقت؟ وهو الذي اعتاد أن يُحدثها في عز انشغالاته، ويتلذذ برضاها، ويسمع صوتها ليطمئن، يتبارك بدعواتها لينال توفيق الله في عمله فما الفارق الكبير في هذا اليوم الذي لا يجعل صِغير أمه يُمارس أحبّ عاداته اليومية؟ .

مُصباح صائم كعادته كل اثنين وخميس، أين سيفطر؟ عند أخته؟ أم مع أصحابه لكنها ليست عادته، حسناً "ربما انشغل ولم يستطع الاتصال بي" هكذا كانت تُطمئن قلبها وليته يطمئن!

 

لكن بعدما سمعت بخبر قصف الاحتلال الاسرائيلي لأحد أنفاق المقاومة، لم تطق الصبر، هاتفت أخاه أنور يمه مصباح ما رجع وينه؟  يرد عليها "لا تقلقي يا أمي، مُصباح بخير وسيعود!، أغلقت عينيها، ثم فتحتهما، مسحت العرق المتقصد على جبينها وأخذت تحوم حول نفسها كعقارب الساعة، تحاول أن تخلق لغياب ابنها الأعذار الكافية لتُخرس صوت الخوف الذي يعلو شيئاً فشيئاً، لكن لا فائدة قلب الأم دليلها "مُصباح ليس بخير، ولدي مسه الموت. فمن يُكذب حدسي؟ ".

 

جاءها أحد أبنائها لتقطع دموعه الشك باليقين، قبّل يدي أمه الطاهرتين هنيئاً لكِ يا أم الشهيد، مُصباح استشهد ثم راحت في غمرة بكائها تذوب وجعاً والتنهدات كادت تخنق حلقها لولا صوت مُصباح يعود إليها:" لمّا استشهد اوعي تعيطي، افرحيلي يمه" فصمت لكن صوت النواح خَرج دون ارادة من روحها إلى رب السماء.

 

إنه الشهيد مصباح شبير (24 عاماً) استشهد مع ستةٍ من رفاقه من سرايا القدس وكتائب القسام في قصفٍ اسرائيلي على أحد أنفاق المقاومة شرق خانيونس الاثنين الماضي.

 

لقى الله مستبشراً

 

عند الوداع سقط الفرح من فؤاد أم العريس المنتظر، لتأخذ لوعة الفرِاق مكانه، إلا أنه حين أحضروه إليها مضرجاً بدمائه ثمة شعور أثلج صدرها، فمِصباح كالملاك نائم لا ميت، ابتسامته المعتادة، هم الشهداء إذن يتقنون فن الحياة ويُحسنون اختيار النهايات التي تترك أثراً في نفوس من خلِفهم.

 

عاش مصباح يتيماً بعدما فقد والده شهيداً في الانتفاضة الأولى، لا يعرف المعني الحقيقي لكلمة أبّ، إلا أن أمه كانت تُحدثه كثيراً عن والده، تُمزج بين شعورين الأمومة والأبوة لتمنحها لصغيرها آنذاك، كِبر وكبر معه حبه لذاك الغائب الحاضر، ليُعرف أخيراً السرّ المختبئ بين دعواته المتكررة أن يلقى الله شهيداً.

 

أمه التي ما فتئت تحمد الله أن حقق أمنية ابنها تقول في حديثٍها لـ"الاستقلال:" لدي سبعة من الأولاد وبنتان، مصباح أصغر الذكور، لكنه شرّفهم جميعاً ليكون أكبرهم بما صَنع مع اخوانه في سرايا القدس أخوة الدم والسلاح".

 

"مُصباح منذ طفولته خلوق هادئ، يُحب الله كثيراً، والمساجد تعرفه جيداً، يُقيم الليل، يحب مساعدة "الناس، واغاثة الملهوف، حنون يُحب الأطفال، كان أحب احفاد إليه ابن أخيه " فايق" الذي أخذ اسم والده، يقل خيراً أو يصمت"، هذه الصفات أبرز ما يُميز الشهيد كما حدثتنا والدته.

 

 وبعد الانتهاء من الثانوية العامة درس مصباح تكنولوجيا معلومات في الجامعة الإسلامية بغزة والتحق في صفوف كتائب القسام منذ سن 18 عاماً، حتى أصبح أحد أفراد الوحدة البحرية في القسام، فهل كانت أمه تعرف ذلك؟ علت نبرة صوتها لتُجيب على سؤالنا:" نعم قال لي منذ اللحظة الأولى، وباركت له هذا الطريق وكان يتمنى أن يكون يستشهد في البحر لكن الله اختار له النفق ".

 

الفوز بحور العين!

 

قبل أسابيع من استشهاده، طلب مصباح الزواج ، فاحت رائة الفرح في المكان ورقص قلب الأم طرباً آنذاك "كِبرت يا مُصباح وصار بدك جيزة "، على الفور اختارت له صاحبة الصون والعفاف واتفقت العائلتان على كل الإجراءات وبقي أن توقعا على ورقة شرعية توّثق حبهما، لكن سبب ما أخر عقد القران قليلاً فمن المفترض أن يكون خلال شهر نوفمبر الجاري، إلا أن الله سمِع دعاء مُصباح فاختاره شهيداً يُزف إلى عليائه لحور العين.

 

لكن لمن جهزت البيت يا مُصباح بأزهى الألوان وأجمل المفارش؟ وما الذي ساق إلى طِرف لسانك طلب الزواج وقلبك يلهج بالدعاء" اللهم شهادة عاجلاً غير آجل "؟ أكنت تعِرف أن أمك لن تُزفك عريساً في الدنيا؟ فأردت أن تمنحها مشاعر الفرح ولو بالتخيل؟ .

 

وكما أخبرتنا أمك يا مُصباح لن تِفلت من ذاكرتها تفاصيل حياتك، ستذكرك وهي تعد المفتول، وستحضر إليها ملامح وجهك وأنت تأكله على مضضٍ لو أنها فتّة من صُنع يديكِ لكانت أطيّب وألذ! كما كنت تقول لها.

 

وبصوتِ كادت الحشرجات تخنقه تتابع:" كان مطيعاً لي، يستشيرني في أمور حياته، يحدثني عن أبسط التفاصيل وأنا أستمع له بكل حُب واصغاء، كيف لا أفعل وهو المدلل! "

 

"سأبكي عليك حتى ألقاك، لكن لن أرثيك يا مُصباح فالرثاء للموتى، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون"، هكذا اختمت حديثها معنا ثم راحت في غمرة بكائها تستكمل استقبال المعزين باستشهاده.

 

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق