غزة – الاستقلال/ قاسم الأغا
بعد تسلّم هيئة المعابر والحدود في السلطة الفلسطينية معابر قطاع غزة من حركة "حماس" بشكل رسمي مطلع نوفمبر الجاري؛ يقترب الفلسطينيون من بدء تشغيل معبر رفح البريّ، أحد المعابر التي شهدت فتحًا استثنائيًا لبوابته من الجانب المصري، على طول الفترة التي سيطرت فيها "حماس" على القطاع منذ عام 2007.
وبالتزامن مع هذا الاقتراب تزداد خشية الفلسطينيين من العودة إلى تشغيله وفق اتفاقية المعابر المُوقّعة بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل" والاتحاد الأوروبيّ في الـ 15 من نوفمبر/ تشرين الثاني 2005؛ باعتبارها اتفاقية "أمنية" تفرض حالة من "الوصاية" الإسرائيلية على حركة الأفراد والبضائع من وإلى معبر رفح.
ووضعت الاتفاقية الموقعة بعيدًا عن مصر شروطًا وضوابط ومعايير تنظم حركة المرور من وإلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عبر المعابر المختلفة منها معبر رفح، على أن يكون "الاتحاد الأوروبي" الطرف الثالث لمراقبة تطبيق هذا الاتفاق، برغم انسحاب "إسرائيل" من قطاع غزة.
وجاء بالاتفاقية الخاصة بمعبر رفح أن ينحصر المرور على حاملي بطاقة الهوية الفلسطينية ومع استثناء لغيرهم ضمن شرائح متفق عليها (دبلوماسيون، مستثمرون، أجانب، ممثلو هيئات دولية معترف بها، حالات إنسانية) وإشعار مسبق لـ "إسرائيل" قبل 48 ساعة من عبورهم، على أن تقوم بالرد خلال 24 ساعة في حالة وجود أي اعتراضات مع ذكر أسباب الاعتراض.
كذلك اشترطت "إسرائيل" على السلطة منع عبور السلاح أو المواد المتفجرة عبر معبر رفح البري، وأن تتواصل خدمات التنسيق الأمني من خلال "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية والولايات المتحدة ومصر حول القضايا الأمنية .
وبعد استلام السلطة للمعابر في غزة؛ أكد مسؤولون رفيعو المستوى في السلطة الفلسطينية وحركة "فتح" أن تشغيل معبر رفح البري سيكون بحسب اتفاقية المعابر الموقّعة في 2005، وأنهم يواصلون توفير كافة الاحتياجات المطلوبة لفتح معبر رفح خلال أسبوعين.
وكان عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" موسى أبو مرزوق، قال إن "اتفاقية 2005 انتهت ولم تطرح في الحوارات ومصر ليست جزءًا منها"، مبديًا استغرابه من إصرار السلطة على وجود "إسرائيل" في معبر رفح البري "من خلال المطالبة بعودة المراقبين الأوروبيين للمعبر". وقال إن "إدارة معبر رفح باتت وطنية، فلماذا الإصرار على الوجود الإسرائيلي بعودة الأوربيين؟".
إلى متى الوصاية ؟
السفير الفلسطيني السابق لدى مصر بركات الفرّا، أوضح أن السلطة الفلسطينية مُلزمة بتطبيق اتفاقية المعابر عام 2005، طالما أنها سارية المفعول ولم تتغيّر، معتبرًا أنه من الضروري أن يصبح معبر رفح فلسطينيًا مصريًا خالصًا، دون وجود الأوروبيين وكاميرات المراقبة الإسرائيلية.
وقال الفرا من القاهرة لـ"الاستقلال": "السلطة مُلزمة باحترام هذه الاتفاقية والأطراف المختلفة وتشغيل المعبر على أساسها، إلى حين التوصّل إلى اتفاقية أخرى جديدة يتم بمقتضاها رفض الوجود الأوروبي والوجود الإسرائيلي المباشر وغير المباشر في المعبر".
وأكّد على أن تغيير الاتفاقية أمر ممكن بل ومطلوب، متسائلًا: "إلى متى ستبقى الوصاية مفروضة علينا ؟. واستدرك: "لكن هذا التغيير بحاجة إلى وقت ومفاوضات، ومن غير المناسب في هذه المرحلة التي نحن بأمس الحاجة فيها إلى فتح المعبر والتخفيف من معاناة الغزيّين".
وعن الجانب المصري، قال: "إنه غير معنيّ باتفاقية 2005 لتشغيل معبر رفح؛ لأنه ليس جزءًا منها ولا تربطه علاقة بها، موضحًا أن الاتفاقية وُقّعت بين أطراف ثلاثة وهي السلطة و"إسرائيل" والأوروبيين.
غير صالحة
من جهته، القيادي في حركة "فتح" من الضفة الفلسطينية المحتلة منير الجاغوب أكّد أن حركته تحترم جميع الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها السلطة الفلسطينية، بما فيها اتفاقية 2005 لتشغيل المعابر، بيد أنه طالب بضرورة إعادة النظر في هذه الاتفاقية، التي لم تعد صالحة في العام 2017.
وقال الجاغوب لـ"الاستقلال": "إن الاتفاقية عندما وقّعت آنذاك كان لها ظروفها الخاصة، والمطلوب من السلطة العمل على تغيير اتفاقية 2005، وتعديلها بما يتناسب مع الأوضاع والظروف الحالية، وبالشكل الذي يليق بكرامة المواطن الفلسطيني ويحفظ حقوقه.
وأشار إلى أنه "وفي حال أصرّت "إسرائيل" على التمسك بهذه الاتفاقية؛ فإن عليها العمل على تطبيقها رزمة واحدة، خصوصاً ذلك البند المتعلق ببناء ميناء بحري وإنشار مطار جوي في قطاع غزة، بعد مرور سنتَيْن من توقيع الاتفاقية".
وأضاف القيادي في "فتح": "وعليه فإن المطلوب إمّا تطبيقه رزمة واحدة وبشكل كامل وبناء الميناء وإعادة عمل المطار، أو إعادة النظر في الاتفاقية بما يتلاءم مع الظروف في قطاع غزة، بعد عودته تدريجياً إلى أوضاعه الطبيعية، في إشارة منه إلى عودة السلطة لتسلم مهامها بشكل تدريجي في القطاع، بعد توقيع اتفاق المصالحة الأخير في القاهرة.
وبالعودة إلى اتفاقية المعابر فقد نصّت على إمكانية البدء ببناء ميناء بحري ومطار جوي في قطاع غزة، وأن تُستأنف المباحثات حول قضايا الترتيبات الأمنية المتعلقة بناء الميناء والمطار والعمل فيها.
استرضاء الاحتلال
أما مصطفى الصوّاف الكاتب والمحلل السياسي من غزة، فقد رأى إصرار السلطة الفلسطينية على إعادة تشغيل معبر رفح البريّ وفق اتفاقية 2005 أمراً مرفوضاً فلسطينيًا، داعيًا إلى الضغط لجهة أن يكون المعبر فلسطينيًا مصرياً، وعدم القبول بأي اتفاقية يتحكم الاحتلال بموجبها بحركة الأفراد.
وفيما وصف الصوّاف لـ"الاستقلال" إصرار السلطة على تطبيق هذه الاتفاقية بـ"الأمر الخطير جدًا"؛ رجّح أن هذا الإصرار جاء ضمن "تفاهمات" بين الاحتلال ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس.
وتابع: "السلطة تحاول قدر الإمكان استرضاء الاحتلال، ولديها الرغبة في وجود إسرائيلي على المعبر". وشدّد الكاتب والمحلل السياسي على ضرورة أن تبدي الفصائل الفلسطينية رفضها بقوة لاتفاقية 2005، خلال اللقاء الفصائلي المقرر عقده بالقاهرة خلال الشهر الجاري، وعدم القبول بأي ذريعة تمنح "إسرائيل" الضوء الأخضر للتحكم بالمعبر بطريقة أو بأخرى.
ووقعت حركتا "فتح" و"حماس" في الـ 12 تشرين أول/ أكتوبر الماضي بالقاهرة، اتفاق المصالحة الوطنية برعاية مصرية، إذ نصّ على تمكين حكومة الوفاق الوطني من ممارسة مهامها والقيام بمسؤولياتها الكاملة في إدارة شؤون قطاع غزة كما في الضفة الفلسطينية المحتلة، بحد أقصاه الأول من كانون أول/ ديسمبر القادم.
كما تضمن اتفاق المصالحة دعوة القاهرة للفصائل الفلسطينية كافة، الموقعة على اتفاقي القاهرة/ 2011 لعقد اجتماع في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، ومن المتوقع أن يناقش خلاله ترتيبات إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، وإعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية.


التعليقات : 0