غزة/ قاسم الأغا:
تتوالى التداعيات حول قرار الإدارة الأمريكية إغلاق مكتب ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، الذي رأى فيه سياسيون ومراقبون "تطابقًا مطلقًا" مع سياسيات الاحتلال.
وفيما وصف هؤلاء السياسيون والمراقبون القرار الأمريكي بـ "المساومة والخطير"؛ قللّوا في ذات الوقت من أهمية التهديدات التي أطلقتها السلطة ردًا على القرار، لكنهم شدّدوا على أنه لا جدوى من إعادة تصويب العلاقات مع الإدارة الأمريكية، بما يحفظ حقوق مصالح شعبنا الفلسطيني.
وبرّرت الخارجية الأمريكية قرار إغلاق مكتب المنظمة إلى قانون أجازه الكونغرس الأمريكي، يمنع من تجديد ترخيص المكتب، الذي انتهى قبل أيام، في ضوء تصريحات أدلى بها مسؤولون في السلطة الفلسطينية بشأن التوجه لمحكمة الجنائية الدولية؛ لمحاسبة "إسرائيل" على جرائمها بحق الفلسطينيين.
في المقابل، هدّدت السلطة الفلسطينية بوقف الاتصالات مع واشنطن، مع التأكيد على أن المرحلة القادمة حاسمة، وفرصة لتصويب العلاقات الفلسطينية الأميركية".
ولم يتضح بعد ما إذا سيؤثر هذا "الاضطراب" في العلاقات بين السلطة والإدارة الأمريكية على الجهود التي تُبذل في إطار ما يسمى "صفقة القرن"، وملف المصالحة الفلسطينية الذي يشهد حراكًا بين الكل الوطني في القاهرة، برعاية مصرية.
تطابق مُطلق
د. تيسير خالد، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، قال إن "هذا التهديد الأمريكي بإغلاق مكتب المنظمة بواشنطن لا يعبّر فقط عن انحياز مطلق لـحكومة الاحتلال، بل تطابق مطلق بين سياسة الإدارة الأمريكية وسياسة حكومة بنيامين نتنياهو"، وهذا ما أكده "نتنياهو" من خلال ترحيبه "الإسرائيلي" الأول بالخطوة الأمريكية.
وأوضح خالد لصحيفة "الاستقلال" أن ترحيب نتنياهو يؤشر على أن المشاورات كانت قائمة بينه وبين الإدارة الأمريكية حول خطوتها الأخيرة، واصفًا إيّاها بـ "الخطوة الخطيرة جدًا".
وأضاف أنه "يجب التعامل مع هذه الخطوة الأمريكية باعتبارها تحديًّا للإرادة وتدخلاً في الشؤون الداخلية الفلسطينية"، والإدارة الأمريكية ليس باستطاعتها فرض إملاءات على الفلسطينيين،وقواعد سلوك كيف نتصرف في الدفاع عن مصالحنا وحقوقنا وثوابتنا الوطنية، هل نذهب للجنائية الدولية لمحاسبة حكومة إسرائيل على جرائم الحرب أم لا، أو هل تنضم إلى هيئات ومنظمّات الأمم المتحدة أم لا".
وتابع: "هذه قواعد سلوك مهينة، ولا يمكن القبول بهذه السياسة"، مشدّدًا على ضرورة قطع العلاقات والاتصالات مع الإدارة الأمريكية حال نفّذت قرارها بإغلاق مكتب البعثة منظمة التحرير في واشنطن".
وأكّد على أنه لا أمل في إصلاح العلاقات والتفاهم مع الإدارة الأمريكية بما يحفظ الحقوق والمصالح الفلسطينية، عازيًا ذلك إلى تطابق سياستها مع السياسات الإسرائيلية العدوانية التوسعيّة المُعادية للسلام، والتي تصر عليها حكومة "إسرائيل".
ولفت إلى أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وفور عودة الرئيس محمود عباس من جولته الخارجية من المقرر أن تعقد اجتماعًا عاجلًا لها؛ لبحث الخيارات والردود المناسبة على السياسة والتعامل الأمريكي غير المقبول مع الفلسطينيين.
رفض الضغوط
أما حركة "حماس" فقد استنكرت التهديد الأمريكي، ودعت الحركة في بيان لها، الأحد الماضي، قيادة السلطة إلى رفض كل هذه الضغوط، والانحياز إلى شعبنا الفلسطيني وتعزيز قدراته على الصمود، من خلال تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام.
وأكّدت "حماس" أن "ربط عدم تجديد الإذن الدوري لمكتب المنظمة في واشنطن بانضمام فلسطين إلى محكمة الجنايات الدولية وإحالتها بعض الملفات إلى المحكمة لملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة، تأكيد للمؤكد من أن الولايات المتحدة طرف منحاز بالكامل للاحتلال".
تهديد للمساومة
بدوره، المُحلّل السياسي وأستاذ الإعلام بجامعة بيرزيت من الضفة الفلسطينية المحتلةد. نشأت الأقطش، وصف التهديد الأمريكي بإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية بواشنطن بـ "المساومة".
وبين الأقطش لصحيفة "الاستقلال" أن مكتب منظمة التحرير بأمريكا موجود بصفة استثنائية منذ بعد عام 1994، ودائمًا ما كانت واشنطن تهدد بإغلاق المكتب، وهو مشروط بانخراط المنظمة بمفاوضات "جادّة" مع الاحتلال.
ورأى أنه "كان لا بدّ من إغلاق المكتب منذ زمن، ولا قيمة له من الناحية السياسية المعنوية؛ إلّا أنه يستهلك أموال الفلسطينيين من ناحية، وتستخدمه أمريكا للضغط على السلطة الفلسطينية من ناحية أخرى تحت مقايضات مختلفة"، كما قال.
وأشار إلى أنه لا جدوى من التهديدات التي تطلقها السلطة بعد التهديد الأمريكي بإغلاق مكتب المنظمة، وقال: "السلطة منذ عام 2008 (حرب غزة الأولى) وهي تهدّد بالذهاب للمحاكم الدولية لمقاضاة الاحتلال على جرائمه؛ بيد أنها لم ولن تفعل".
وتعليقًا على ما قالته رئاسة السلطة بأن إغلاق مكتب المنظمة سيكون فرصة لإعادة تصويب العلاقة الفلسطينية – الأمريكية، أكّد المحلل السياسي أن السلطة أضعف من أن تحدّد طبيعة هذه العلاقة.
وأضاف أن "السلطة وبعد تخلي الأنظمة العربية عنها لم يبقَ داعم لها سوى أمريكا، إلا أنه وبعد مؤشر وقف الدعم بعد التهديد الأخير، وبالتالي إذا سحب الأمريكان هذا الدعم؛ فإن السلطة ستنتهي".
وذكر أن السلطة وخلال أكثر من الـ 20 سنة الماضية لم تفعل شيئاً لإبقائها على قيد الحياة، بل فصلت نفسها وخلقت حالة من الانفصام بينها وبين الشعب، وعليه فإن قرار وجودها بيد الأمريكان.
ونوّه إلى أن "إدارة دونالد ترامب الأمريكية تريد من السلطة المزيد من التنازلات، والموافقة على ما يعرف بـ "صفقة القرن"، وهو الحلّ مع حركة حماس، وليس مع السلطة، التي تحمل بصفتها مفاتيح منظمة التحرير، وعليها أن تحضر هذا العرس وتوقّع على شهادة الزواج"، بحسب تعبير الأقطش. وعن مدى تأثير القرار الأمريكي الأخير على أجواء المصالحة؛ موضح أنه لا يوجد قرار وطني فلسطيني بالمصالحة، إنما قرار (عربي، أمريكي، إسرائيلي) بتقريب وجهات النظر بين الفلسطينيين؛ "لكي تتم صفقة القرن بموافقة وتوقيع الطرفين، وهذا هو الهدف من المصالحة".
خيارات أخرى
ولا يعني القرار الأمريكي بإغلاق مكتب المنظمة تطبيقًا عمليًا لإغلاق المكتب بشكل آنيّ، إذ لدى الرئيس الأمريكي "دونالد ترمب" ترامب (90) يومًا؛ لإعادة فتح مكتب المنظمة في حال رأى أنه تم تحقيق تقدم في المفاوضات بين السلطة والاحتلال.
وفي عام 2015، أدخل الكونغرس الأميركي بندًا ينصّ على أنه لا يجب على الفلسطينيين محاولة التأثير على المحكمة الجنائية الدولية بشأن تحقيقات تتعلق بـ "إسرائيليين".
وتزعم إدارة "ترمب" إنها تسعى إلى "إحياء عملية السلام"، بعد توقف المفاوضات منذ عام 2014؛ بسبب رفض الاحتلال وقف التغوّل الاستيطاني والإفراج عن الفلسطينيين الأسرى منذ ما قبل "أوسلو"، وتنصلها من الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 1967، وعاصمتها القدس، كما تريد السلطة.


التعليقات : 0