شهادات لم تنتهِ

الحاجة أم ناهض:  أنجبنا من يحمل مفاتيح العودة

الحاجة أم ناهض:  أنجبنا من يحمل مفاتيح العودة
فلسطينيات

الاستقلال/ دعاء الحطاب

كعادتها منذ عقود، تجلس الحاجة أم ناهض الحاج على أريكتها المتواضعة يلتف حولها أحفادها وأبناؤها، لتبدأ بسرد حكاية طفولتها التي عاشتها في قريتها الفلسطينية "كوكبا" وسط كروم العنب والتين التي كانت تقضي بها جل وقتها، فكل ذكرياتها ترسم بدقة جماليات الوطن الذي هجروا منه قسراً عام 48.  تسعة وستون عاماً مضت على النكبة الفلسطينية عام 1948م، وما زالت تفاصيلها حاضرة في ذاكرة من عاشوها وعانوا ويلاتها، ليثبتوا جميعاً أن الذاكرة الفلسطينية مازالت تنبض بالحياة وتتوق شوقاً يوم يجمعهم بوطنهم المسلوب.

 

الحاجة أم ناهض بالرغم من تجاوزها العقد الثامن من عمرها، إلا أنها تحتفظ بذاكرة قوية تسجل تفاصيل حياتها في بلدتها ومسقط رأسها وكأنها تعيش فيها الآن، قائلة: " الحياة في كوكبا كانت بسيطة ولها مذاق مختلف، فأهلها طيبون يتميزون بالكرم يحبون بعضهم، يتشاركون بكل كبيرة وصغير في الأحزان والأفراح وحتى بزراعة أراضيهم بالشعير والقمح، بيوتها صغيرة من الطين ولكن كبيرة بالحب والسعادة والترابط والرضا بالمقسوم".

 

وتضيف أم ناهض لـ" الاستقلال"، " وانا بحكي حاسة حالي موجودة في البلد هناك، وفي اللد والرملة والمجدل وبتذكر فيها وفي أرضها وشجرها وأيامها الحلوة".

 

الركن الداكن

 

ذاكرة أم ناهض الجميلة لم تنسيها مرارة الألم وقسوة مشاهد النكبة التي عاشتها وسلبت منها لوحة الطفولة الزاهية لتجعلها ركن داكن في شريط ذاكرتها، فبعد لحظات من الصمت، بدأت تسرد حكاية تهجيرهم منذ اقتحام العصابات الصهيونية لقراهم ومدنهم إلى أن رحلوا لقطاع غزة.

 

وتتذكر أم ناهض هذه الأيام قائلة: "كنا قاعدين بالبلاد فجأة سمعنا أصوات مدافع وإطلاق الرصاص، خرجنا من البيوت وجدنا الدبابات واقفة على امتداد الطريق من المجدل إلى قطاع غزة تطلق نارها بشكل مكثف صوب البيوت والأشخاص، حينها حمل شباب القرية ورجالها أسلحتهم البسيطة وخرجوا للقتال الذي استمر عدة أشهر".

 

وتتابع والألم يعتصر قلبها:" بعد فترة جاءت القوات المصرية نجدة للفلسطينيين لكن بمجرد وصولهم اشتدت المعركة، وقاوم فيها شباب القرية والمصريون بقوه حتى وقعوا بفخ اليهود، وبدأ وقتها السكان بالرحيل من القرى باتجاه المناطق الأكثر أمنا".

 

ليلة التهجير

 

من ارتسمت حكاية الوطن وبؤس القرية في تجاعيد وجهها لم تفارق الدموع وجنتيها وهي تقص وقائع ليلة تهجيرها من قريتها مستذكرة تفاصيلها جيداً، "ففي ساعات الفجر الأولى وبعد مقاومة طويلة احتل اليهود القرية وطوقوها من ثلاثة اتجاهات وتركوا جهة ليرحل أهل القرية منها، ومن شدة القصف والدمار هرب الأطفال والنساء من الموت تحت زخات الرصاص باتجاه بربرة، ومكثنا هناك أسبوعاً تحت كروم العنب والتين، ومن ثم اشتدت الحرب وهُجرنا من بلادنا بالقوة، وكنا نسمع أصوات الانفجارات ونرى بيوتنا تهدم ونحن في طريقنا إلى غزة".

 

وتكمل أم ناهض حديثها "تركنا كل ما نملك بالقرية المال والذهب والمواشي والملابس ما أخدنا معنا إلا مفتاح الدار، ظننا سنرجع بعد أسبوع لكن الأسبوع صار سنين".

 

وبعد طريقٍ طويل قطعه أبناء الشعب المنكوب، أطفالاً ونساءً وشيوخاً، كل بثيابه البالية وأجسادهم المرهقة وجروحهم النازفة، تمكنوا من الوصول إلي قطاع غزة لتبدأ معاناتهم بمخيمات الشتات لتكتوي قلوبهم بنار الحسرة والألم على بلادهم.

 

وتؤكد أم ناهض، أن جميع مشاهد النكبة نقشت في ذاكرتها ومازال أثرها باقياًٍ داخلها لكن أكثر مشهد أثر بها هو مشهد اصطفافهم في طوابير حتى يتم توزيع الطعام عليهم بعدما كانوا أصحاب أراضٍ وأملاك، وكذلك مشهد خيام الصليب الأحمر المتطايرة في الشتاء وبقاء الناس في البرد إلى أن قررت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين بناء غرفة من الطين لكل عائلة. 

 

حسرة وألم

 

" أرضك أمام عينك والعدو يدمر فيها وأنت نفسك تلمس ترابها كيف بدك تنساها" بهذه الكلمات بدأت المسنة أم ناهض تروي حسرتها وألمها على أرضها التي لا يفصلها عنها سوى شريط حدودي شائك مزود بأحدث تقنيات المراقبة وأعداد كبيرة من الجنود الصهاينة تُطلق النار على كل فلسطيني يحاول الاقتراب منها. وتوضح أم ناهض، أن أحد أقربائها تمكن من زيارة قرية "كوكبا" قبل عدة أعوام، وأخبرها أن القرية لم تعد كما كانت فلم يبق منها سوى بئر المياه الذي كانوا يعتمدون عليه في حياتهم، وأن شوارعها تغيرت، واستبدلت بساتين البرتقال والعنب والتين بمعسكرات يهودية.

 

وأعربت المسنة عن حزنها الشديد لما حل ببلادها، فلا تجد سبيلاً للتخفيف من ألمها سوى البكاء والعيش على أمل العودة لأرضها وإن طالت الأيام، متمنية أن تقبل ترابها قبل أن تتوفاها المنية. 

 

حق العودة

 

رغم الواقع المرير الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، إلا أنهم مازالوا يعشون على قناعتهم بالعودة يوماً من الأيام حتى بات شعارهم الوحيد " الحق لا بد أن يعود لأصحابه"، فتقول أم ناهض وبريق الأمل في عينيها: " كل يوم أعيش أنا وأبنائي وأحفادي على يقين العودة دون انقطاع الأمل بالله، وهذا حال كل لاجئ يمضي يومه والشوق لدياره يملأ قلبه فهو يدرك أن بلاده من حقه واللجوء لابد أن ينتهي وسيأتي يوم يحمل من بعده مفاتيح العودة".

 

وتنهي أم ناهض حديثها:" كان في بيتنا مغارة بابها على منحلة عسل وسط البيت، لو يعطوني ملك العالم ما ببدلهم فيها".

 

كثيرة هي الذكريات القاسية التي عاشتها أم ناهض وأمثالها من المهجرين من قراهم، حيث لا يمكن كتابتها بأسطرٍ قليلة لكنها تبقى راسخةٍ في قلوبهم وعقولهم لتكون حاضرة في كل زمان ومكان.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق