التحليل السياسي/عامر خليل:
بعد اسبوع من اعلان ترامب عن اعتراف بلاده بالقدس المحتلة عاصمة لدولة الكيان الاسرائيلي حدث ما لم تتوقعه تل ابيب وواشنطن بحالة واسعة من الرفض الرسمي والشعبي له ليس على الصعيد الفلسطيني والعربي والاسلامي بل الدولي حيث خرجت 1200 مسيرة وتظاهرة رافضة له فبدت كلتاهما معزولتين في هذا الموقف عن باقي العالم ما يؤكد انه بالإمكان الرهان على حراك سياسي فاعل ضد السياسات الاسرائيلية والغطاء الامريكي لها وليس عبر التعامل معهما تفاوضا للوصول الى تسوية سياسية فقد بات ذلك جزءا من الوهم والخداع الذي تروجه واشنطن وتل ابيب عما يسمى عملية السلام التي وفق الفهم الاسرائيلي هي عملية متواصلة لا سقف لها تمارس خلالها كل اشكال التهويد والاستيطان.
في ضوء ذلك فان اعلان وزير الخارجية د. رياض المالكي بان السلطة لن تغادر مربع عملية السلام يعني استمرارا في ذات النهج العقيم والمراهنة الخاسرة بدلا من التوجه الى الشعب الفلسطيني والعالم كله وطرح مظلومية الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة والتي تؤكد المسيرات والتظاهرات التي خرجت في ربوع العالم على مدى الدعم والتأييد الذي تلقاه فالمفترض ان تدفع حالة التضامن هذه لاضفاء الطابع السياسي الشعبي العالمي على القضية الفلسطينية ولا يمكن ان يتم ذلك في ظل نفس منظومة العمل الفلسطيني الرسمي التي تحافظ على اشكال مختلفة من العلاقات مع الكيان الاسرائيلي.
وضع الاعتراف الامريكي وتجدد انتفاضة القدس التي تلته النظام العربي الرسمي امام مسئوليته تجاه القدس قبلة المسلمين الاولى وفرضت عليه التعامل معها بعد سنوات من التهميش والاهمال امام مخططات الاحتلال للمس بها ومسجدها الاقصى اذ لا يمكن لهذا النظام ان يتملص من مسئوليته فقد فرض عليه ان يخرج بمواقف اقل القليل برفض القرار ورغم الضعف فيه فان الحراك الشعبي العربي سيفرض عليه التقدم اكثر في موقفه.
في ظل هذه المعطيات فان مشروع التطبيع القادم مع الاحتلال لبعض اطراف النظام العربي الذي يحتويه ما يسمى صفقة القرن والتماثل مع الكيان الاسرائيلي في تصدير ايران عدوا واشغال الجماهير العربية بهذه القضية والصراع المذهبي والطائفي ووضع الدواليب في طريقه يعد اهم انجازات الحراك الشعبي ضد قرار الاعتراف الامريكي ونموذج البحرين يعتبر نموذجا لذلك وهي التي تقيم اتصالات مباشرة مع الكيان منذ عدة سنوات والتقى ولي عهدها مسؤولين اسرائيليين وتحدث عن السلام مع الكيان الاسرائيلي فبعد زيارة الوفد البحريني للقدس وطرده من المسجد الاقصى تنصلت منه حكومة البحرين بانه لا يمثلها وكذلك فعل مجلس النواب البحريني الذي استنكر واصدر بيان دعم وتأييد للقدس وفلسطين فيما سيل التغريدات على وسائل التواصل الاجتماعي من شخصيات وعلماء ومواطنين ضد الزيارة ورفض التطبيع والاهم اصدار مائة شخصية بحرينية لبيان شجب واستنكار يجعل التطبيع شبهة لاصحابها.
في ضوء ذلك فان التطبيع الذي تطمح اليه دولة الكيان وبعض الدول العربية لن يتم بسهولة وستكون حسابات كثيرة حاضرة في خطوة علنية للبدء فيه واستمرار الحراك الشعبي والاعلامي على وسائل التوصل الاجتماعي سيشكل رادعا ضد التطبيع وسيضع مخطط ترامب في تقديم صفقة القرن كتمهيد له في مهب الريح وتلك احد اهم افرازات انتفاضة القدس ومن هنا فان استمرارها سيفرز معطيات اخرى في المشهد الفلسطيني والعربي ويضع القدس وفلسطين في سلم الاولويات ويدحر كل المحاولات لفرض اجندة اخرى غير الصراع مع الاحتلال.
القمة الاسلامية لم تكن لتعقد امس لولا انتفاضة القدس ومهما كانت نتائجها او عدد الزعماء والرؤساء المشاركين فيها فان مجرد انعقادها يدل على البعد الاسلامي لقضية القدس التي لا يمكن ان تغادر المشهد الاسلامي وبيان الازهر الشريف القوي ودعوته للتحرك الفاعل من قبل الجميع. لنصرته يبين الى أي مدى يمكن ان تحرك القدس الجميع والمطلوب من القمة ان ترتقى الى مستوى القدس وفلسطين والا تكتفي ببيانات الادانة والانتقال الى خطوات عملية في علاقات بعض دولها مع الولايات المتحدة والكيان الاسرائيلي وفي هذا السياق فان المتاح متعدد على الصعيد الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي ، وخطوة واحدة من هذا القبيل كفيلة بان تترك تداعياتها الهامة على الولايات المتحدة والكيان وما تدخل الاولى في الضغط كي تكتفي القمة فقط بالبيانات وعدم المبادرة الى خطوات عملية ضد تل ابيب او واشنطن سوى مؤشر على ذلك.
كل ما سبق يشير بوضوح الى ان تجدد انتفاضة القدس بعد الاعتراف الامريكي وبداية مرحلة تشكل وترتيب الاوراق في المنطقة مقياسها وبيضة القبان فيها القدس فمن يقف مع القدس هو ضد الكيان ومن يقف ضدها او يتخاذل فهو مع الاحتلال وهو ابراز واضح لمشروعين في المنطقة الاول هو اسرائيلي امريكي يبحث عن رعاية اقليمية له للتطبيع مع بعض اطرافه وانهاء القضية الفلسطينية بحل هزيل، وفي مقابله المشروع المقاوم الذي يتصدى ويعد ويجمع قواه من اجل مواجهة الاحتلال والتحرير وهذه المعطيات لا لبس فيها ومن يتغاضى عنها او ينكرها كمن يغطي الشمس بغربال.


التعليقات : 0