منتفضاً للقدس

الشهيد أبو ثريا.. تحدى الاحتلال بنصف جسد

الشهيد أبو ثريا.. تحدى الاحتلال بنصف جسد
مقاومة

غزة/ دعاء الحطاب:

ما أن انزاح ستار الليل وحطت خيوط الشمس الذهبية أشعتها على الأرض، حتي خرج الشاب المقعد ابراهيم أبو ثريا من منزله في مخيم الشاطئ شمال قطاع غزة، بجسده المنهك و روحه الصلبة، مستقلاً كرسيه المتحرك، كي يكون أول الثائرين في انتفاضة «القدس العاصمة» ومجابهة جنود الاحتلال الإسرائيلي على الحدود الشرقية لحي الشجاعية شرق غزة، نصرةً للمدينة المقدسة.

 

فبمجرد وصوله الحدود، احتضن أبو ثريا علم بلاده وحمل مقلاعه وبدأ برشق جنود الاحتلال بالحجارة ولسانه يصدح بـ» الله أكبر، القدس لنا»، وما هي الا لحظات حتى ترك كرسيه وزحف  صوب عمودٍ في المنطقة الحدودية مع أراضي فلسطين المحتلة 1948، ورغم عدم قدرته على الوقوف الا أنه تسلق عليه ليسقط علم اسرائيل ويرفع علم بلاده.

 

جيش الاحتلال لم يتحمل قوة وعزيمة أبو ثريا، الذي بترت قدماه في قصف اسرائيلي استهدفه عام 2008، فقرر سرقة روحه برصاصاته الغادرة التي تمركزت في جبينه بعد أن أطلق قناص إسرائيلي النار بشكل مباشر على رأسه، لتكون القاضية، بعد سلسلة اصابات لحقت به وألمته جسدياً ونفسياً ليكون ناقماً على احتلال لا يلقي بالاً للإنسانية.

 

ثلاثة عقود اختصرت عمر الشهيد المقعد الذي لم يقعد يوماً عن مقارعة الاحتلال، حيث تشهد على شجاعته كل نقاط التماس مع العدو، لتكون شجاعته ختامها مسك ولحظة فارقه في معادلة الشموخ الفلسطيني، لقب على إثرها بـ"ابي هريرة الفلسطيني". 

 

واستشهد أبو ثريا «29 عاما» يوم الجمعة الماضي برصاص قناصة الاحتلال خلال مواجهات اندلعت بين عشرات من الشبان وجنود الاحتلال الإسرائيليين على الحدود الشرقية للقطاع، عقب قرار الإدارة الامريكية بأن القدس عاصمة لإسرائيل.

 

روحه معلقة بالشهادة

 

الشهيد أبو ثريا، تعرض إلى 11 إصابة مختلفة بجسده في سنوات حياته، الجزء الأكبر منها كان ببتر قدميه في العدوان الإسرائيلي على القطاع عام 2008، إثر استهدافه في مخيم البريج برفقة آخرين، لتنقلب بعدها حياته رأساً على عقب ويزداد بقلبه عشق الشهادة والانتقام من عدوٍ لا يرحم.

 

ورغم أنه أصبح يتنقل عبر كرسيٍ مُتحرك، رفض الاستسلام وواصل مسيرته في المشاركة بفاعليات الاحتجاج والمظاهرات المناوئة للاحتلال بعزيمة وحماسٍ شديدين، خاصةً عندما يسمع بوجود مواجهات مع قوات الاحتلال، حيث يلقى مساعدات من الشبان الذين يحاولون دفع كرسيه وسط التراب والاعشاب للوصول إلى الجدار الحدودي.

 

وبغصة تعترض صوتها، تقول والدة الشهيد ابراهيم: "ابني منذ نعومة أظافره كانت روحه معلقة بالشهادة، فلم يسمع باجتياح أو توغل أو مواجهة مع جنود الاحتلال إلا وذهب وشارك، وزاد شغفه بالشهادة بعد بتر قدميه بعدوان 2008 واستشهاد رفاقه السبعة".

 

وتتابع الأم المكلومة خلال حديثها لـ"الاستقلال": " ابراهيم بعد اصابته كان يتمنى لو أنه رحل شهيدا مع رفاقه وكان دائماً يقول ما تزعلي ياما أنا رجلي سبقتني للجنة وسألتحق بها شهيداً".

 

وتفجر غضب إبراهيم بعد أن قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في السادس من ديسمبر الحالي، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، حيث خرج رغم إعاقته في مسيرات غزة المنددة بالقرار الذي وصفه " بالقرار المشؤوم، وأن القدس عاصمة فلسطين الأبدية". حسب والدته.

 

وأضافت بنبرة فخر:" كان يذهب إلى الحدود الشرقية لحي الشجاعية (ناحل عوز) بشكل يومي، ولم نستطع منعه لشدة إصراره، وكان يقول" إن لم نكن بجانب القدس فمن يكون؟"، مؤكدة أن قصة نجلها مع فلسطين كبيرة، والقدس كانت أكبر همّه.

 

موعد مع الشهادة

 

صبيحة يوم الجمعة الماضي، لملم عزيمته والعلم الفلسطيني وما تبقى له من ذكريات، ليهتف للقدس العاصمة الأبدية لفلسطين ويكون شهيد نصرتها عند أحد محاور المواجهة مع الاحتلال.

 

بصوتٍ مرتجف ودموعٍ تملأ وجنتيها، سردت والدة الشهيد تفاصيل أخر لقاء بينهما:" يوم الجمعة ايقظني الساعة السادسة صباحاً لأتناول الفطور واعطاني العلاج بأيده، وطوال الوقت كان يوصيني على نفسي وأخواته ويقول لو رجعت شهيد ما تحزني، اعترضت على كلامه قال هذه امنيتي، وأخذ علم فلسطين ومقلاعه وودعنا وطلع".

 

وتصف نجلها، بأنه روح البيت والأكثر حناناً على أشقائه، وكان عزيز النفس يرفض أخذ أي إعانة إلا بتعبه وجهده، ولديه إرادة وعزيمة لا تكسرها أي إعاقة فكان يٌعيل أسرته وينفق على البيت رغم قلة الراتب الذي كان يتلقاه جراء إصابته وعمله في مسح السيارات.

 

وبهجمة شرسة شنتها قوات الاحتلال على المتظاهرين العزل على الشريط الحدودي، أطلق جندي إسرائيلي حاقد النار بشكلٍ مباشر على رأس أبو ثريا، ليرتقي شهيداً بعد يومٍ واحد من ذكري ميلاده، غير مدرك أن روح الشهيد ستحاصره وستحمي القدس، كما تقول والدته.

 

"الشهيد المقعد" لم يكن يأبه بالرصاص الحي والغاز المدمع الذي يطلقه جيش الاحتلال الإسرائيلي على المتظاهرين، فكل ما كان يبتغيه هو الشهادة في سبيل أرضه الأم (فلسطين) وعاصمتها القدس الشريف.

 

وقبيل استشهاده بدقائق، ظهر الشهيد أبو ثريا بمقطع  فيديو وهو يزحف ويرفع العلم الفلسطيني أمام السياج الفاصل بين غزة والاحتلال، وجّه خلاله رسالة مفادها "هذه الأرض أرضنا، ولن نستسلم لقرار ترامب"، كما أكّد على ضرورة أن تتراجع الولايات المتحدة الأميركية عن قرارها بخصوص القدس المحتلة، مضيفاً أن الشعب الفلسطيني هو شعب الجبارين.

 

وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي فيديو أخر ظهر فيه الشاب الفلسطيني لحظة استشهاده وهو على كرسيه المتحرك والعلم الفلسطيني في حضنه، بينما حمله أحدهم بين ذراعيه التف العشرات حوله مرددين "بالروح بالدم نفديك يا شهيد".

 

وعلقت الأم المكلومة على نبأ استشهاد نجلها: " سبقتك قدماك إلى الجنة واليوم حققت ما كنت تحلم به بعد طول انتظار، رفع راسي وفخورة باستشهاده من أجل فلسطين والقدس".

 

نظرة الوداع

 

كانت الأجواء هادئة، لكن قلب أمه يغلي، وعيون شقيقاته حمراء من البكاء، والرجال ينتظرون  بشغفٍ لاستقبال الشهيد، ولما وصل للبيت انقلبت أجواء الهدوء إلى عاصفة من التكبير والتهليل والزغاريد، وعلت رصاصات الرجال في السماء تعبيراً عن الغضب.

 

دموع أُم إبراهيم جفت والنساء من حولها لم يتوقفن عن الزغاريد بعد نظرة الوداع، وسيل جارف من الرجال والشباب شيعوا الشهيد إلى مثواه، ووري ثراه في مقبرة الشهداء شرق قطاع غزة.

 

وردد المشاركون هتافات منددة بجرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق أبناء الشعب الفلسطيني،  وشعارات دعت فصائل المقاومة إلى تدفيِع الاحتلال ثمن جريمته النكراء، بإطلاق النار صوب المدنيين العزل دونما اقتراف أي ذنب.

 

وخلال إتمام مراسم التشييع، قال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية: إن "شهيدنا المقعد أبو ثريا اليوم ليس ككل الشهداء ومعركتنا اليوم ليست ككل المعارك، فشهيدنا اليوم رفع الله عنه حرج الجهاد والمقاومة والمواجهة لكنه تقدم الصفوف ووصل لخط المواجهة ليكون حجة على الناس جميعا".

 

 

 

 

 

 

  

التعليقات : 0

إضافة تعليق