مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية/ إسماعيل مهرة
يوم الجمعة المنصرم انتهت شرطة التحقيقات الإسرائيلية من جولة التحقيق مع نتنياهو في ملفات الفساد، لا سيما الملف المعروف برقم 1000 المتعلق بتلقي الهدايا، ربما تكون جولة التحقيق الأخيرة، وبحسب الإعلام الإسرائيلي وبحسب ردود فعل نتنياهو؛ فإن جهات التحقيق تقوم الآن بإجمال النتائج، وتعكف على كتابة واستخلاص التوصيات التي سترفعها للمستشار القانوني للحكومة، توصيات الشرطة هي الأمر الأكثر تداولًا وتجاذبًا الآن في الوسط السياسي الإسرائيلي، كما في الشارع أيضًا، الجميع يتفاعل معها، كل بطريقته ومن زاويته، في محاولة للتأثير فيها، سواء بتعظيمها ونشرها على نطاق واسع، واستخدامها لاحقًا في الحرب على شرعية استمرار نتنياهو رئيسًا للحكومة، أو من جهة أخرى بالطعن فيها والتقليل من شأنها، والطعن بنزاهة وموضوعية دوافع الموصين.
نتنياهو - الذي كان يدرك مسبقًا حجم ووزن التوصيات من الناحية القيمية والشعبية، الذي يفوق كثيراً وزنها القانوني - أدار منذ وقت حربًا إعلامية ضد هيئة التحقيق للضغط عليها ولتقليل أهمية توصياتهم لدى الجمهور، وحربًا قانونية تشريعية حاول فيها مقربوه (بيتان ومسلم) تشريع قانون يمنع هيئات التحقيق من تقديم ونشر أية توصيات والاكتفاء بتقديم ملف التحقيق للنيابة العامة، لكن رد الفعل الشعبي والسياسي - فضلًا عن فتح تحقيقات جنائية ضد بيتان - عرقل تشريع القانون وجمده.
بالأمس استغل نتنياهو اجتماعًا لنشطاء «الليكود» احتفاءً بعيد الأنوار اليهودي، ليخطب فيهم، مركزًا جل خطابه على مهاجمة مبدأ التوصيات عامة والطعن في شرعيتها واتهامها بإلحاق الكثير من الضرر الذي لا يمكن جبره في ملفات ترسلها النيابة إلى مكب النفايات، مستعرضًا عديد التوصيات التي تم فيها إغلاق الملفات دون توجيه لائحة اتهام حتى. هجومه بالأمس أثار عليه حفيظة الكثير من السياسيين والإعلاميين، الذين اعتبروه هجومًا على مؤسسات إنفاذ القانون ووصفوه بمن يحاول إغراق الدولة في سبيل المحافظة على كرسي رئاسة الوزارة.
وفي الإعلام تجنّد تقريبًا كبار الإعلاميين المختصين بالساحة القانونية لتفنيد مزاعم نتنياهو، وتأكيد القيمة القانونية للتوصيات، فركز جميعهم على ان التحقيقات مع نتنياهو تختلف عن أية تحقيقات أخرى، حيث ان مندوبين كباراً من النيابة رافقوا التحقيقات من بدايتها، وبالتالي هم من أملى طبيعة الأسئلة وعمق التحقيق وموضوعاته، وشاركوا بشكل مباشر في استجواب الشهود، وأن توصيات الشرطة هي عمليًا توصيات مندوبي النيابة، فضلًا عن التأكيد على ان المستشار القانوني لا يمكن ان يمرر ملفًا مليئًا بتهم الفساد دون ان يحوله إلى لائحة اتهام على الأقل.
قانون أساس الحكومة الإسرائيلية لا يفرض على رئيس الوزراء تقديم استقالته في حال تقديم لائحة اتهام، لكن جرت العادة أن يقدم أي مسؤول استقالته عند تقديم لائحة اتهام ضده، وإن رفض فإن الضغوط ستجبره على ذلك كما حصل مع أولمرت، حيث ضغط علية شركاؤه في الحكومة (باراك وليفني)، لكن الأمر مع نتنياهو مختلف، حيث ان شركاءه في الحكومة متمسكون بالائتلاف، وليست لهم أجندة أو أهداف يمكن تحقيقها بإسقاط الحكومة والذهاب للانتخابات، ويخشون من خسارة معسكر اليمين للانتخابات القادمة إذا ما أطيح بنتنياهو بتهمة الفساد.
مع ذلك، نتنياهو يشعر بمخاوف أخرى مستترة، لكنه يستطيع رصدها، ويعتقد بأنها ستطل برأسها بمجرد صدور التوصيات، وهي من داخل حزبه، فالعديد من القيادات الليكودية التي تطمح لخلافته ربما ستستغل الفرصة للتخلي عن نتنياهو والمشاركة في حفلة التخلص منه، وهم الآن يحافظون على الصمت ويكتفون بتصريحات دبلوماسية دفاعًا عن نتنياهو، هذا فضلًا عن موقف ليبرمان وكحلون، وهي لا زالت مواقف غامضة ستحدد طبيعتها في حينة وفقًا لمبدأ المصالح.
في المعارضة السياسية والمؤسسات الإعلامية، يستعدون للقضاء على نتنياهو سريعًا، وبالضربة القاضية، بمجرد صدور التوصيات بتقديم لائحة اتهام دون الانتظار لقرار المستشار القانوني بتقديم لائحة اتهام أو إغلاق الملف، وذلك عبر إخراج المظاهرات والضغط على كحلون باعتبار قابليته للضغط في القضايا التي تتعلق بمعايير الحكم والالتزام بالقانون واحترامه، وتجنيد حملة إعلامية كبيرة تقوم على ان المتهم بالفساد لا يمكنه ان يستمر في إدارة الدولة، وأن بقاءه يشكل خطرًا، وقراراته يحتمل ان يرفرف عليها علم أسود؛ بمعنى أنها ربما تخدم أجندة شخصية تتعارض مع مصالح الدولة.
الجميع في إسرائيل ينتظرون توصيات الشرطة بحق نتنياهو، ويسخنون بشكل تصاعدي للحظة نشر التوصيات التي قد تستغرق شهرًا أو شهرين، فهي بالنسبة لكل طرف منهم تعتبر معركته الفاصلة، سواء من يخطط للهجوم أو من يخطط للهجوم الدفاعي، وكلٌ سيستخدم كل أسلحته، بما في ذلك تأليب الشارع وتحريضه على سلطات إنفاذ القانون مثلما فعل نتنياهو بالأمس، حيث وصفهم بمن يديرون ضده حملة صيد معتمدين على تلفيق الأكاذيب، كما قال.
نتنياهو يسعى بكل جهده لأن تظل حكومته متماسكة بعد صدور التوصيات، وأن يكسب وقت انتظار صدور لائحة اتهام، لأن اصدار لائحة الاتهام سيستغرق وقتًا طويلًا سيمكنه من استكمال مناوراته وسيمنحه فرصة أكبر لإنقاذ نفسه، فهو اليوم يشعر بأنه يخوض غمار أهم حروبه الشخصية.


التعليقات : 0