التحليل السياسي / عامر خليل:
خطت ادارة ترامب مسافة اخرى نحو التبني الكامل للمواقف السياسية الاسرائيلية فبعد التصريحات التي اعترفت بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، ثم استخدام حق النقض الفيتو في الأمم المتحدة ضد مشروع قرار عربي يؤكد على مواقف مجلس الامن السابقة من القدس وفلسطين، عرض الرئيس ترامب في واشنطن استراتيجية الأمن القومي لإدارته التي تقول بشكل قاطع ان «اسرائيل ليست المسؤولة عن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط»، وهذا يعني أن البيت الأبيض يتبنى مجددا رؤية دعائية تحاول "إسرائيل" تسويقها في العالم، مفادها أن القضية الفلسطينية ليست منبع عدم الاستقرار في المنطقة وذلك بهدف تصدير قضايا اخرى وتهميش الصراع العربي الاسرائيلي.
وجاء في وثيقة استراتيجية الأمن القومي الجديدة انه "على مدار عقود تم اعتبار المواجهة بين اسرائيل والفلسطينيين بمثابة العامل الرئيسي الذي يمنع السلام والازدهار في المنطقة"، زاعمة أن التهديدات الناجمة عن الارهاب الى جانب ايران، تخلق اليوم الاعتراف بأن اسرائيل ليست مصدر المشاكل في المنطقة، وتؤكد الوثيقة "التزام الولايات المتحدة بدفع اتفاق شامل يكون مقبولا على الاسرائيليين والفلسطينيين" في محاولة لذر الرماد في العيون والحفاظ على شكل من العلاقة مع كل الاطراف في المنطقة والادعاء انها تقوم بدورها فيما يسمى عملية السلام.
ترامب يتبني الموقف الاسرائيلي بشكل كامل وصريح في الوثيقة الجديدة ولا يعني ذلك ان الادارات السابقة كانت اقل انحيازا او خدمة للمصالح الاسرائيلية فالولايات كانت حاضرة في كل المفاصل الاساسية التي ادت الى قيام دولة الاحتلال فهي التي دعمت ودفعت بريطانيا لإعلان وعدها للحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي في فلسطين عام 1917 وكانت لاعبا اساسيا في تمرير قرار التقسيم 181 عام 1947 ووفرت غطاء للكيان في عدوان وحرب 1973وانتفضت لحماية الكيان في عام 1973 لإنقاذه من الهزيمة الكاملة وسبق الفيتو الاخير 42 اخر في عهد الادارات السابقة منعت تشكيل لجان تحقيق اممية في جرائمها ضد الشعب الفلسطيني.
ما حدث في الدول العربية المحيطة بالكيان الاسرائيلي قبل سبع سنوات فيما سمي الربيع هو نتاج لرؤية امريكية اكدتها وثيقة الامن القومي الجديدة بتحويل وحرف الصراع الى وجهات اخرى وهو انعكاس لما يسمى الفوضى الخلاقة في المجتمعات العربية لخلق واقع سياسي يخدم المصالح الاسرائيلية والامريكية وهو اتضح تماما في حالة الاريحية الاسرائيلية الكاملة من الصراع والحروب الداخلية وانهيار ما يسمى الجبهة الشرقية بتفكك الجيش العراقي والسوري وحينها اخذت الدعاية الاسرائيلية دورها في الترويج ان المشكلة ليست الاستيطان واللاجئين بل هذا الصراع وعلى هذه الارضية حاولت تهميش قضية اللاجئين الفلسطينيين بالقول ان هناك ملايين اللاجئين العرب الذين يجب ان تتحول ميزانية "الاونروا" لغوث وتشغيل الفلسطينيين إليهم.
الفوضى التي دبت في بعض الدول العربية هي التي خلقت ما يسمى مشكلة "الارهاب" وانتجت عشرات المجموعات المسلحة بأسماء اسلامية دعمتها وسلحتها دول الخليج بالتعاون مع الولايات المتحدة وبالتالي فان من صنع وخلق بيئة "الارهاب" التي ذكرتها وثيقة الامن القومي الامريكي هي الولايات المتحدة فداعش تمددت على نصف مساحة العراق وسوريا فجأة بسهولة كبيرة في ظل مراقبة الطيران الامريكي والدولي ليأتي بعدها الترويج لمشكلة "الارهاب" من قبل الولايات المتحدة باعتبارها التهديد الحقيقي ما يتطلب الاعتراف بأن اسرائيل ليست مصدر المشاكل في المنطقة كما جاء في الوثيقة ويؤكد ان مآلات الربيع العربي وجهت في خدمة المصالح الامريكية والاسرائيلية.
الوثيقة الامريكية تذهب ربما الى مدى ابعد حين تحدد ايران تهديدا للمنطقة وهو نفس الموقف الاسرائيلي وما تردده تل ابيب على الدوام ومن الواضح ان واشنطن بذلك تجمع دول الخليج التي ترفع راية الخطر الايراني مع الكيان الاسرائيلي في محور واحد وهو ما يفسر حالة القرب والدفء في العلاقة غير المعلنة بين دول الخليج والكيان الذي يعلن دون مواربة ان اتصالات وتعاوناً أمنياً وسياسياً يتم سرا مع بعض الدول العربية ولا يخفى هنا ان البرود الذي قابلت به الدول راية العداء لإيران في موضوع الاعتراف الامريكي بالقدس وعدم التعليق على اعلان واشنطن ان الحائط جزء من دولة الاحتلال يفسره حالة التوافق الموجودة لها مع الكيان الاسرائيلي الذي يريد انهاء القضية الفلسطينية واشغال المنطقة بـ"الارهاب" والتهديد الايراني.
المواقف الامريكية التي جاءت في وثيقة الامن القومي الامريكي تمهد الطريق لتحرك امريكي يريد الوصول الى تصفية القضية وليس تهميشها وتصعيد قضايا اخرى واعتبار البراق جزءاً من الكيان والفيتو كلها مؤشرات على ذلك والسقف الفلسطيني المطلوب في مواجهتها شعبيا ورسميا يجب ان يرتقي الى مستوى التحدي الذي تفرضه المواقف الامريكية الاخيرة وهنا يوجد الكثير مما يمكن تحريكه على هذا الصعيد.


التعليقات : 0