غزة/ دعاء الحطاب:
لعقود طويلة ضخمت دولة الاحتلال أسطورتها المزيفة بذلك الجندي الذي لا يقهر، فصورت جيشها على أنه الأقوى، وحاولت عبر دعايتها المأجورة زرع الخوف في كل بلد عربي وإسلامي، إلا أن هذه الاسطورة سرعان ما تهاوت، ورأى العالم أجمع هشاشة هذا الجيش وخوف ذلك الجندي أمام طفل بحجر أو طفلة لا تمتلك سوى يدين خاويتين وصوت عادياً.
وتميزت المواجهات بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي مؤخراً، بمشاهد صمود وتحدٍ لم يعهدها الاحتلال من قبل، اذ باتت واضحة من خلال الابتسامة التي تظهر على وجوه الشباب لحظة اعتقالهم، وركل الجنود والاشتباك معهم بالأيدي.
وامتلك الفلسطينيون روح الجرأة والقوة في مواجهة ذلك الجيش من نقطة الصفر، ووثقت العدسات مشاهد صادمة لهروب جنود مدججين بالسلاح أمام شاب او فتاة بحجر، ورعب حراس وجنود من شاب امتشق سكينة.
وأنجبت انتفاضة القدس، التي تجدد اشتعالها بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن القدس عاصمة لإسرائيل، جيلاً من الشباب الثائر هم الأجرأ والأكثر صموداً في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، جعلوا أجسادهم وحجارتهم وسكاكينهم كابوساً طاردوا به عدوهم وارهبوا جنوده تحت وقع ضرباتهم، كما أربكوا كيانه بابتسامة تحدٍ تملأ جوارحهم رغم القهر والاعتقال والقتل.
توازن الرعب والتحدي
في صورةٍ استقطبت أنظار العالم، اجتمع نحو عشرين جندياً بأسلحتهم لتقييد يدين عاريتين للطفل فوزي الجنيدي من الخليل وتعصيب عينيه بهدف اعتقاله، الا أن ذلك لم يرهب الطفل بل بقي مرفوع الراس شامخاً لم يهتز لوقع ضرباتهم, ليبرهن للعالم أن أطفال فلسطين لا يهابون جنود مدججين بالأسلحة، ليسقط مقولة جيش لا يٌقهر.
ويقول والد الجنيدي: "يوم الخميس الماضي خرج فوزي لشراء أغراض للبيت، فاجتمع عليه مجموعة كبيرة من جنود الاحتلال وقاموا بضربه بقوه، ثم أغمضوا عينيه واعتقلوه بوحشية"
ويتابع الجنيدي خلال حديثه لـ"الاستقلال" :" عندما شاهدت صورة فوزي أثناء الاعتقال عبر مواقع التواصل الاجتماعي، شعرت بفخر كبير بابني كونه كان صامداً وشامخاً رغم قسوة الجنود معه، كما يفعل جميع الأسرى لحظة اعتقالهم"، متسائلا بذات اللحظة عن الذنب الذي ارتكبه ليُفعل به كل ذلك.
وأضاف: "مظاهر التحدي والصمود بوجه جنود الاحتلال بدت واضحة في الانتفاضة الأخيرة، فاعتدنا أن نشاهد الفلسطينيين شامخين مبتسمين عند الاعتقال، وكذلك أصبحنا نشاهد مقاطع مصورة لفتيات وشبان يضربون الجنود اذا ما اعتدوا عليهم دون أن يلقوا بالاً للعواقب، كما فعلت الطفلة عهد التميمي والفتاة المقدسية التي قامت بضرب المجندة"، مستدركاً: " الكيل طفح من همجية الاحتلال وسياساته الظالمة لذلك وصلنا لمرحلة الرد الفوري والمباشر على الاحتلال".
وأوضح أن تلك المشاهد ترفع معنويات أبناء فلسطين، وتكشف أن القوة والسلاح اللذين يتمتع بهما الاحتلال يتحولان إلى رمز للخوف والرعب، حين يتضاءل مفعولهما أمام شجاعة وصلابه الفلسطيني سواء كان طفلاً أو شاباً أو امراة.
مسلحون بحب الوطن
وفي مشهد آخر، ظهرت الطفل عهد التميمي من قرية بني صالح بالضفة، بشريط فيديو تضرب وتطرد جنديين اسرائيليين من أمام منزلها، كيف لا وهي مُسلحة بحب الوطن عرفت منذ نعومة أظافرها بخشونتها مع الاحتلال وخروجها بالمظاهرات المطالبة بإنهائه.
وقام جيش الاحتلال باعتقال التميمي بتهمة ضرب واهانة جنود اسرائيليين، كما صادر جهاز حاسوب وكاميرات للعائلة خلال عملية الاعتقال، وذلك بعد تحريض الاعلام العبري على ضرورة اعتقالها كونها قامت بإذلال الجنود.
وقال باسم التميمي والد عهد: " إن عهد واحدة من عشرات الفلسطينيين الذين يُمثلون قوة المقاومة الشعبية بوجه جنود الاحتلال، ويعبرون عن ارادتهم واصرارهم على انهاء وجوده بشتي الطرق وان كانت بسيطة".
واعتبر التميمي خلال حديثة لـ"الاستقلال"، شموخ الفلسطينيين أثناء الاعتقال وقبل الاستشهاد بالإضافة إلى الاعتداء المباشر على جنود الاحتلال، وسائل بسيطة تٌقهر الجنود الإسرائيليين وتُفشل توقعاتهم، فالاحتلال يعتقد أنه بسياساته الوحشية يستطيع إذلال الشعب الفلسطيني وبث الخوف في صفوفه، دون أن يُدرك أن وحشيته تزيدهم قوة وصموداً.
وبين أن مشاهد الصمود والمواجه المباشرة مع الاحتلال تظهر للعالم وجه الاحتلال الحقيقي وضعفه الذي يحاول دائماً اخفاءه، لكنها بالنسبة للفلسطينيين تٌظهر جيلاً لم يقو الاحتلال على زراعة الخوف في قلب أصغرهم أو تجريده من حلمه بدولة تكون القدس عاصمتها.
الإيمان بالقضية
ومن جهته، يرى أحمد رفيق عوض الكاتب والمحلل السياسي، أن انتفاضة القدس المشٌتعلة بمختلف مدن الضفة الغربية والقدس المُحلتين وكذلك قطاع غزة، تميزت بمشاهد صمود وتحدٍ لم يعهدها الاحتلال من قبل، ظهرت في عدم خوف الشباب من الاعتقال وركل الجنود والاشتباك معهم بالأيدي من نقطة الصفر.
وبين عوض خلال حديثة لـ"الاستقلال"، أن سر القوة الكامنة في نفوس أبناء فلسطين عند المواجهة المباشرة مع الاحتلال الصهيوني ، تكمن بإيمانهم بقضيتهم وشعورهم بالوطنية، وادراكهم أن خيارهم الوحيد هو المقاومة من أجل إعادة وطنهم المسلوب، فهذا كله مرسخ بوجدانهم وعقائدهم التي تدفعهم للصمود وعدم الانهيار مهما بلغت قسوة جنود الاحتلال.
وأردف عوض، أن الاحتلال الإسرائيلي بطبيعته يراهن على الوقت لنسيان القضية الفلسطينية ويُردد مقولته الشهيرة " الكبار يموتون والصغار ينسون"، لكن حينما نجد أطفال فلسطين يتصدرون الانتفاضة بكل جراءة وشجاعة يحملون حجارة أو يصرخون بوجه الاحتلال ويطردونه، يدرك قادة الاحتلال أن مخططاتهم واعتقاداتهم ستفشل في الأيام القادمة.
ولفت إلى أن الإجراءات التعسفية التي يتخذها الاحتلال بحق أبناء الشعب الفلسطيني والقرارات التي تهدف إلى طمس الهوية الفلسطينية كإعلان القدس عاصمة للكيان الإسرائيلي وإنشاء المستوطنات ومصادرة الأراضي، جعلت المواطنين ينفجرون بشدة بوجه الاحتلال.


التعليقات : 0