غزة/ محمود عمر:
أزالت قضية القدس القناع عن الوجه الحقيقي للعديد من الأنظمة العربية التي أظهرت مواقف ضعيفةً ومترديةً رداً على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة مزعومة للكيان الصهيوني، دون اتخاذ قرار واحد يضر بالمصالح الأمريكية على المستويين العربي والدولي. وكان عضو اللجنة المركزية لحركة فتح محمد اشتية، قال إن دولاً عربية رفضت عقد قمة عربية طارئة، بعد قرار الإدارة الأمريكية باعتبار القدس "عاصمة لإسرائيل" ونقل السفارة.
وأكد اشتية في تصريح صحفي الاثنين الماضي: طلبنا عقد قمة عربية من أجل القدس وبعض الدول العربية رفضت ذلك، مضيفاً "أن القمة الإسلامية في اسطنبول لم يأت إليها إلا رؤساء 5 دول".
وأشاد بموقف ملك الأردن عبد الله الثاني قائلاً: "إن الملك عبد الله ذهب إلى القمة الإسلامية باعتباره رئيس القمة العربية، الأمر الذي جعل قمة اسطنبول قمة عربية إسلامية".
واستدرك "لكن لن نقع ضحية الترويج الإسرائيلي حول التطبيع مع الدول العربية، مؤكداً أنها دعاية مبرمجة من أجل بث الإحباط في نفوسنا وكأن العرب باعوا فلسطين".
وشدد بالقول "لا زلنا نؤمن بأمتنا العربية وشعوبها التي خرجت في شوارع مختلف المدن والعواصم العربية بعد قرار ترامب بشأن القدس ".
وعقب قرار ترامب، تم تسجيل عدة حالات قامت خلالها وسائل إعلامية عربية باستضافة قادة في جيش الاحتلال وإسرائيليين للحديث عبر منصاتهم الإعلامية إلى الجمهور العربي في خطوة حظيت بإدانة عربية واسعة من أنصار التيار الإسلامي والوطني.
خنوع مستمر
من جهته، رئيس قسم العلوم السياسية الأسبق في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة حسن نافعة، يرى أن قضية اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، كشفت القناع خلف الوجه الحقيقي لبعض البلدان العربية والإسلامية.
وقال نافعة لـ"الاستقلال": "هناك العديد من الدول العربية والإسلامية التي تجمعها مصالح كبيرة مع أمريكا، أصيبت بالحرج إزاء إصدار موقف قوي حيال قضية القدس الأخيرة، حتى أن البعض منها عارض القيام بأي خطوات حقيقية رداً على قرار ترامب".
وبيّن أن عدم عقد قمة عربية طارئة عقب قرار ترامب، يدلل على الخنوع العربي وعدم المقدرة على التصدي لهذا القرار سواء بالأفعال أو بالأقوال، مشيراً إلى أن ترامب لم يكن ليصدر هذا القرار لولا أنه أمن الرد العربي ووجد أن قراره سيدعمه بعض الدول العربية بشكل غير مباشر.
ولفت نافعة النظر إلى أن قضية القدس أصبحت قضية ثانوية أو مرهقة بالنسبة إلى أنظمة عربية تنظر إلى تطوير علاقاتها مع أمريكا و"إسرائيل" كأولوية قصوى في سياساتها الخارجية، لاعتبار أن من لامس هذا المحور سينال الحضارة والتطور والانفتاح على العالم.
وأضاف المحلل السياسي المصري: "لكن ما لا تعرفه هذه الأنظمة أن التخلي عن الكرامة العربية وعن المقدسات الدينية الإسلامية سيجعلها تتخلى عن أي شيء يمس سيادتها وأمنها القومي مستقبلاً إذا ما طلب منها ذلك من قبل أمريكا أو إسرائيل".
وتابع نافعة متهكماً: "ربما أيضاً وجد بعض الزعماء العرب أن عقد مثل هذه القمة العربية ما هو إلا مضيعة لوقتهم الثمين ولعلمنا وعلمهم المسبق أن هذه القمم لا يخرج عنها أي إجراءات تنفيذية على أي صعيد، قرروا عدم عقدها".
خمول رسمي
بدوره، رأى المحلل السياسي عبد الستار قاسم، أن حالة الخمول الرسمي العربي تجاه قضية القدس، ترجع إلى عدة أسباب، أهمها: خوف بعض الأنظمة العربية على نظامها الحاكم من الإزالة، وعدم امتلاك الأنظمة العربية أي أوراق قوة لمجابهة أمريكا و"إسرائيل"، فضلاً عن وجود حالة من الانفتاح العربي على التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.
وقال قاسم: "ما صدر من الدول العربية ضد قرار ترامب لم يخرج عن مستوى الاحتجاج الشعبي، حيث أتاحت الأنظمة العربية والإسلامية لشعوبها الاحتجاج للتنفيس عن الغضب، ولكن لم تقم هذه الدول بأي قرار أو عقد أي قمة عربية أو إسلامية خرجت بقرار جاد يهدد المصالح الأمريكية".
وبيّن أن الدول العربية غارقة اليوم بمشاكلها الداخلية التي تجعل من قضية القدس في ذيل اهتماماتها، مضيفاً: "ما هو مهم اليوم على المستوى العربي، هو تطوير العلاقات مع الاحتلال والإبقاء على علاقات ودية مع أمريكا، لأن الخوف على الكراسي والمناصب هو ما يهم الزعماء العرب والمسلمين بالدرجة الأولى".
ولفت قاسم النظر إلى أن القدس تنتظر من يحررها من دنس الاحتلال، أو من يدعمها مالياً من أجل تعزيز صمود أهلها في وجه الاحتلال، "ومن لا يمتلك هذه الامكانيات يمكنه أن يضيء قنديلاً في شوارعها كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن من المعيب أن تتخذ بعض الأنظمة العربية من نفسها طرفاً محايداً لا شأن له بما يجري في القدس".


التعليقات : 0