"إسرائيل" تحمي متهمًا بجرائم ضد الإنسانية

اسرائيليات

مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية

هل تتستر إسرائيل على مجرم وشاهد على تورطها في إقامة علاقات أمنية وتعاون وثيق مع طغمة عسكرية ولا سامية حكمت الأرجنتين، بدءًا من نهاية سنوات السبعينات؟، ما يخفى أعظم ممّا هو واضح في هذه القضية، لكن الرائحة التي تخرج منها مفضوحة.

 

مواطن إسرائيلي مطلوب في الأرجنتين بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بعض ضحاياه كانوا يهودًا تم اختطافهم، تعرضوا للتعذيب وقُتلوا. إسرائيل تعلم بذلك، وتعلم أن الرجل كذب في بيانات تسجيل طلب هجرته لإسرائيل مع زوجته اليهودية، لكنها ترفض تسليمه أو سحب الجنسية منه، لماذا؟ المعلومات سرية للغاية.

 

يوسف كرميل، أحد سكان «كريات بياليك»، مطلوب في الأرجنتين منذ 6 سنوات بتهمة التورط بأعمال قتل، تعذيب وخطف، بما فيها لقاصرين، لكن كرميل ما زال يعيش براحة بال في إسرائيل. في أمر الاعتقال الذي أصدره ضده الانتربول عام 2011 جاء أنه ارتكب جرائم ضد الإنسانية.

 

شلومو سلوتسكي، هو صحفي إسرائيلي، فقد أحد أقربائه في عمليات الخطف والقتل التي مارستها حكومات الاستبداد في الأرجنتين، وهو الذي تقدم بطلب للمحكمة العليا ضد إسرائيل وضد وزارة الداخلية والامن الداخلي والعدل والخارجية؛ مطالبًا بتوضيح أسباب رفضهم عدم سحب مواطنة يوسف كرميل الذي يقطن في إسرائيل منذ عام 2003.

 

يذكر ان المسؤول المباشر ليوسف كرميل اعتقل سنة 2012 في الأورغواي ونقل إلى المعتقل في الأرجنتين وتمت إدانته بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

 

ويؤكد سلوتسكي ان إسرائيل كانت في تلك الحقبة - التي كان بها النظام الدكتاتوري في الأرجنتين يقوم بأعمال خطف وقتل لمعارضيه، ومن بينهم يساريون يهود - تقيم علاقات قوية مع تلك الطغمة الحاكمة، فكانت تسلحهم وتقدم لهم التدريب الأمني وتدريبات في مجال جمع المعلومات. كما يؤكد أن إسرائيل كانت تعرف حينها ما الذي يحدث في مراكز الاعتقال والتوقيف في الأرجنتين، والأهم انها كانت تعرف ان من بين الضحايا يهوداً من الرجال والنساء.

 

مسؤول أمني في وزارة الحرب الإسرائيلية سابقًا، والملقب بـ «د»، والذي كان مشاركًا بأعمال تجارة السلاح مع الأرجنتين يقول: «يغطون على جريمة بجريمة أخرى»، ويضيف «لا توجد لإسرائيل أي مصلحة في أن يصل كرميل للمحكمة، وأن يذكر للقضاة ما الذي شاهده. تخيل لو ان كرميل قال للمحققين أنه رأى إسرائيليين علموا الآخرين على أعمال الأمن وأنه رآهم داخل معسكرات الاعتقال، وأن تلامذة الإسرائيليين استخدموا تلك الأدوات في قتل وتعذيب يهود وآخرين».

 

يوسف كرميل لا ينكر حقيقة أنه خدم خلال أيام الحكم العسكري بالأرجنتين في وحدة استخبارات «601» فتحت ملفات معلومات حول معارضي النظام، معلومات قادت آلاف المواطنين لمخيمات اعتقال وموت. هل كان حقًا مجرد «موظف» حسب ادعائه أم انه متهم بجرائم تورط بها؟، إنه ينكر ذلك قطعًا، والمحكمة في الأرجنتين وحدها من تستطيع الحسم، لكن غير مؤكد إن كانت إسرائيل ستسمح لذلك بأن يحدث.

 

في جلسة نقاش عقدتها المحكمة العليا نقلت لها الدولة معلومات تثبت أهمية تقديم لجوء سياسي لكرميل. ما هي المعلومات السرية التي تخفيها إسرائيل، الدولة التي أقيمت من أجل أن تكون بيتًا لضحايا الحرب الأكبر في التاريخ؟

 

فقط قضاة المحكمة العليا ومحامو كرميل يعلمون ماذا تحتوي تلك الوثائق السرية، لكن القضية الحالية هي فقط الصفحة الأخيرة بفصل مظلم في تاريخ إسرائيل، التي كانت أقرب حليف للأرجنتين، تحديدًا خلال سنوات نظام الحكم العسكري. لقد كانت أيضًا الداعم الرئيسي لجيش عمل بصفوف إدارة معادية للسامية، في الوقت الذي علم مسؤولون رسميون في إسرائيل جيدًا ماذا يحدث في المعسكرات التي يمارس مجرموها تعذيب وقتل المواطنين.

 

ماريا غوتمان، التي خطف ابنها وقتل، تقول :«إسرائيل دعمت حكومات الاستبداد، اقتصاديًا سياسيًا ومعنويًا، وسلحتها. أبناؤنا عانوا من ملاحقة مزدوجة من جانب الفاشيين بالملابس الرسمية، ومن جانب الفاشيين اليهود الذين سلحوا القتلة. أنا أفتخر بابني الذي كان يهوديًا، وربما قتل بسلاح إسرائيلي». الكثير من اليهود كانوا من نشطاء اليسار أو اتهموا بذلك، وعن معاناة هؤلاء يمكن ان نقرأ في الوثائق التي كُشفت في أمريكا قبل عام، إحدى هذه الوثائق تكشف عن معرفة إسرائيل بملاحقة اليهود في الأرجنتين، ووثائق سرية في وزارة الخارجية الإسرائيلية تكشف عن تدارس وزارة الخارجية لخطة للعمل ضد الأرجنتين بهذا الشأن، ولكنهم فضلوا الاستمرار بتصويت الأرجنتين لصالح إسرائيل في المؤسسات الدولية.

 

شلوميت ألوني، عضو الكنيست السابقة، حاولت في سنوات سابقة أن تكشف عن علاقات إسرائيل بأنظمة الاستبداد العسكرية، وأنها قدمت ثمانية اقتراحات لجدول أعمال الكنيست لكشف الأمر، لكن تم رفض كل تلك المقترحات بواسطة رئيس الكنيست حينها مناحيم سابيدور. وتؤكد أن «عضو الكنيست يغآل اوروبيتس هددني بألا أتحدث بالأمر»؛ جاء ذلك في مقال لألوني بصحيفة «هآرتس» (مايو 2006) كشف عن تزويد إسرائيل للديكتاتوريين بالسلاح الذين قاموا باستخدامه في تنفيذ جرائم حرب ضد المواطنين.

 

المسؤول الأمني «د» يقول «بعنا لهم الكثير من السلاح، بما في ذلك طائرات حربية من نوع ميراج وسكاي هوك وسفن وقذائف مدفعية وذخيرة بنادق وبنادق هجومية من نوع غاليل وأوزي، على الرغم من وجود حصار وعقوبات على الأرجنتين؛ إلا ان الأمر كان سهلًا بالنسبة لنا، بعناهم ذلك بثمن زهيد مقارنة بالدول الأخرى، وقدمنا لهم تدريبات ذات نوعية عالية، على سبيل المثال حين زودناهم بصواريخ ضد المدرعات وطائرات تم تدريب طواقم للعمل على تلك الأسلحة».

 

يذكر ان إسرائيل عام 1964 اشترت من الأرجنتين 80-100 طن من الكعكة الصفراء، التي تشكل مرحلة مهمة في الطريق لإنتاج القنبلة النووية.

 

الكابوس الأرجنتيني انتهى عام 1989، لكن إغماض العين الإسرائيلية عن بيع السلاح لأنظمة الاستبداد لا زال مستمرًا، فتجارة السلاح بالنسبة لإسرائيل تشكل مدخلًا للحصول على مليارات الدولارات، وتاريخ علاقة إسرائيل الخارجية مليء بالتعاون مع أنظمة الحكم الديكتاتورية، فلجنوب افريقيا باعت إسرائيل الكثير من السلاح حين كان كل العالم يفرض عقوبات وحصاراً على نظام التمييز العنصري.

 

إسرائيل أيضًا باعت السلاح لرواندا في ذروة أعمال جرائم القتل الوحشية، كذلك يصل السلاح الإسرائيلي لجنوب السودان، حتى ان منظمات حقوق الانسان الناشطة هناك تتحدث عن الحرب السرية الإسرائيلية. وفي هذه الايام هناك ادعاء بأن حكومة ميانمار ترتكب جرائم ضد الأقليات المسلمة، وأن واحدة من مزوداتها بالسلاح هي إسرائيل التي تحاول إخفاء هذا الأمر، لكن سفير ميانمار في إسرائيل كشف عن ذلك في عدة لقاءات.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق