غزة/ قاسم الأغا:
لم يعد ملف المصالحة الوطنية يحظى باهتمام وحرص كبيرين لدى الأطراف الفلسطينية المختلفة، في الوقت الذي كان لا بد أن يشكل الإعلان الأمريكي الأخير بشأن اعتبار القدس المحتلة عاصمة لكيان الاحتلال دافعًا لجهة تحقيقها واقعًا عمليًا على الأرض.
ومنذ الإعلان الأمريكي الذي جاء على لسان «دونالد ترمب» في 6/ ديسمبر الجاري؛ تركز الاهتمام الفلسطيني بمختلف مستوياته حول كيفية إسقاط هذا الإعلان، ونصرة المدينة المقدسة، وتفعيل انتفاضة القدس التي تجددت إثر إعلان «ترامب». لكن التصريحات التي جاءت قبل أيام عدة على لسان رئيس حركة «حماس» في قطاع غزة يحيى السنوار، أعادت الحديث مجددًا عن ملف المصالحة، وسط تحذيرات من اقتراب إعلان الفشل ما لم يتحرك الكل الفلسطيني لحمايتها من الانهيار.
وخلال لقائه بـ "نخب شبابية" بمدينة غزة الخميس الماضي، دعا السنوار الشعب الفلسطيني لإنقاذ مشروع المصالحة من الانهيار، مؤكدًا أنه "من لا يرى أن المصالحة تنهار فهو أعمى، وإذا لم تهبّ الشرائح الوطنية المختلفة لحمايتها "فجميعنا سيعض أصابع الندم".
ونوه إلى أنه يوجد نوعين من المصالحة؛ الأولى "على مقّاس الأمريكان واليهود، وهم يريدون من المصالحة أن يصبح القطاع مجرداً من المقاومة"، والثانية "وفق الرؤية الوطنية كما نصّت اتفاقية القاهرة عام 2011 على مبدأ التوافق الوطني والشراكة، وهذا ما يريده الجميع.
وعلى صعيد تسليم "حماس" للوزارات في قطاع غزة، أوضح السنوار أن حركته قدّمت "كل التسهيلات اللازمة لذلك وسلمت المعابر والجباية كاملة وهي ليست نادمة ؛ من أجل تحقيق المصالحة وتذليل العقبات في طريقها".
وتابع: "للأسف الشديد اليوم المصالحة ملخصها عند البعض هو تمكين الحكومة؛ وأقول لكم إن بيان الفصائل في لقاء القاهرة الأخير في 21 نوفمبر هو بيان منع فشل المصالحة".
وعقب التحذيرات من انهيار المصالحة، سارع مسؤول الملف الفلسطيني في جهاز المخابرات العامة المصرية بالطلب من إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لـ"حماس"، وعضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" عزام الأحمد، خلال اتصالين منفصلين الجمعة الماضية، التهدئة الاعلامية، والتأكيد على أن القاهرة ستمنع انهيار المصالحة.
الوحدة قرار
القيادي في حركة "فتح" من الضفة المحتلة يحيى رباح، أكّد أن قيادة السلطة الفلسطينية لديها قرار صارم بضرورة تحقيق الوحدة وإنهاء الانقسام، "عبر نظام سياسي واحد، وسلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح أجهزة أمنية واحدة".
وأضاف رباح لـ"الاستقلال": "نحن في حركة فتح ماضون في تحقيق المصالحة ،لكن هناك بعض الأطراف والجهات – لم يذكرها – تحاول خلق ما وصفه بـ "العثرات الوهمية" في طريق المصالحة".
واستدرك: "لكن الإدارة الوطنية لدينا، خاصّة بعد الانتصار الكبير الذي حققناه في الأمم المتحدة، هذا يحتّم علينا التمسك بالوحدة والمصالحة، كقوة كبرى نعتمد عليها في كل المراحل النضالية القادمة".
ورفض القول إن حركة فتح "غير جادة " في تنفيذ المصالحة، مشيرًا إلى أن تصريحات "السنوار" الأخيرة حول تسليم حركته الوزارات كافة للحكومة "غير صحيحة".
وقال: "ليس صحيحًا أن حماس سلمت كل الوزارات بالقطاع لحكومة الوفاق الوطني، ومنحت الحكومة الفرصة والصلاحيات الكاملة للحكومة لأداء مهامها على أكمل وجه".
تحذير من الانهيار
الكاتب والمحلل السياسي من غزة، حمزة أبو شنب، رأى في التصريحات التي صدرت مؤخرًا لا سيما من جانب قيادة حركة "حماس" أنها تأتي في سياق التحذير من انهيار المصالحة، ولابد من استنهاض الكل الفلسطيني لإنقاذها، في ظل الإصرار الواضح من الحركة بعدم العودة إلى الوراء.
وأوضح أبو شنب لـ"الاستقلال" أن ملف المصالحة تواجهه تعقيدات عدّة، أبرزها قضية الموظفين، الذين عينتهم "حماس" عقب أحداث الانقسام عام 2007، مضيفا "ربما أن حركة "فتح" لا تريد أن تستوعب هؤلاء الموظفين في هذه المرحلة، وهو ما خلق جزءاً من الأزمة التي يمر بها ملف المصالحة بصورة حقيقية".
ورأى أنه من المبكر الحديث عن ضغوطات تعرضت لها السلطة لعدم إحراز تقدم في ملف المصالحة، مشيرًا إلى أنه ومنذ البداية لم تكن الرغبة عالية لدى السلطة لتحقيقها، ما يتطلب منها أن تكون "أكثر جديّة وصرامة"، خصوصًا في ظل التأثيرات المختلفة التي يتعرض لها الوضع الفلسطيني.
وعن دور الفصائل الفلسطينية في المصالحة؛ لفت إلى أن عليها متابعة هذا الملف والوقوف على تفاصيله، وتشكيل حالة ضغط عبر لجنة فصائلية، وعدم انتظار اللقاءات الثنائية بين حركتي "حماس" و"فتح"، وتحريك الشارع تجاه من يعطل إتمام هذا الملف.
التمسك بمطالبهما
أما نائب رئيس تحرير صحيفة الأهرام المصرية أشرف أبو الهول، رأى أنه من "المؤسف وغير اللائق" الحديث عن انهيار المصالحة الوطنية في الوقت الذي تمر به القضية الفلسطينية بمصاعب، وتحديدًا عقب الاعتراف الأمريكي بمدينة القدس المحتلة عاصمة لـ"إسرائيل".
وقال أبو الهول لـ"الاستقلال": "للأسف الشديد، بدلاً من الإسراع في تنفيذ المصالحة، ما زال الطرفان (حركتا فتح وحماس) يتمسكان بمطالبهما، ويضع كل منهما الآخر أمام الخيارات الصعبة".
وأشار إلى أن مصر ردت على ذلك بالاتصال فورًا بقيادة الحركتين، وحثتهما على ضرورة التوقف عن التصريحات "التوتيرية"، والعمل من أجل إنجاح المصالحة، مع تجديد التأكيد على اهتمام القاهرة الكبير بهذا الملف .
ورغم الاهتمام والرعاية المصرية للمصالحة، وترجمة ذلك بإرسال وفد أمني مصري إلى قطاع غزة لمتابعة تطبيقها، بيد أن "أبو الهول" اعتبر أن الأهم توفر نوايا جادّة وحقيقية من الحركتين على الأرض.
وتابع: "يجب أن تكون المصالحة في حد ذاتها هدفاً، لكن أن يضع كل طرف شروطاً أمام الآخر لتنفيذها وتحقيق مكاسب، فهذا عيب وعار على كل فلسطيني".
ووقعت حركتا "فتح" و"حماس" في الـ 12 تشرين أول/ أكتوبر الماضي بالقاهرة، اتفاق المصالحة الوطنية برعاية مصرية، الذي نصّ على تمكين حكومة الوفاق الوطني من ممارسة مهامها والقيام بمسؤولياتها الكاملة في إدارة شؤون قطاع غزة كما في الضفة الفلسطينية المحتلة، بحد أقصاه الأول من كانون أول/ ديسمبر الحالي.
وبحسب اتفاق القاهرة الأخير فإن اللجنة القانونية والإدارية ستقوم بوضع حلول لقضية موظفي غزة، في مدة أقصاها أربعة أشهر، على أن تنجز عملها في موعد أقصاه 1/ فبراير المقبل، وتعرض نتائجها على الحكومة لإقرارها وتنفيذها.
وبناءً على التفاهمات، فقد تسلمت حكومة الوفاق من حركة "حماس" مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، المسؤولية الكاملة عن معابر قطاع غزة (رفح، بيت حانون، كرم أبو سالم).
وفي الـ 21 من نوفمبر اجتمعت الفصائل الفلسطينية كافّة وعلى مدار يومين في القاهرة بدعوة مصرية، تمخّض عنه بيان ختامي وصف بـ "الباهت"، لم يتضمن جداول زمنية حول حل الملفات الأساسية لاتفاق المصالحة.


التعليقات : 0