غزة/ دعاء الحطاب:
غنت طيور قلبه فرحاً وتفتحت أزهار الربيع في حياته باكراً بمجرد سماعه خبر حمل زوجته وأنه سيصبح أباً للمرة الثانية، وبدا الكون أجمل في عينيه، يُفرق الحلوى وضحكاته تعلو في أرجاء المنزل ولسانه يقول: « سندي راح يشرف»، كيف لا وحلمه بمولودٍ ذكر يسنده قد بدأ يتحقق، ذلك الحلم لم يدم طويلاً فقد دفن مع الشاب « زكريا الكفارنة» بعد شهورٍ من بدئه، ليولد الطفل بدون والده.
ففي كل ليلةٍ كان الشاب الكفارنة (24عاماً)، يٌحدث مولوده الذي لم يأت بعد عن خططه المستقبلية معه، والتي تتجلي معظمها بجعله مُقاوماً يدافع عن بلادة ومقدساته، وأن يكونا شهيدين في سبيل تحرير أرضهما من دنس الاحتلال الإسرائيلي، إلى أن وقع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن القدس عاصمة لدولة الاحتلال ونقل السفارة الامريكية اليها، كالخنجر بقلبه وجعله ينتفض مع مئات الشبان الفلسطينيين رفضاً للقرار.
الشهيد الكفارنة اختار الطريق الذي سيوصله إلى أسمى ما كان يتمنى، فترجل ليلقى ربه شهيداً في سبيل القدس، مساء يوم الجمعة الماضي إثر إصابته بعيار ناري اخترق صدره خلال مواجهات اندلعت شرق جباليا في قطاع غزة، محققاً أمنية طالما أفصح عنها لأشقائه والمقربين منه وهي الموت في سبيل الله والوطن .
روح ثائرة
منذ الطفولة كان الشهيد يتحلى بروح ثائرة ترفض وجود الاحتلال الإسرائيلي على أرضه وتتمرد على واقع سياساته التعسفية والظالمة بحق أبناء شعبه، فكان دائماً يٌشارك مع اخوانه وعشرات الشبان الفلسطينيين بالفعاليات والمظاهرات السلمية الرافضة للاحتلال.
ويقول والد الشهيد زكريا الكفارنة، بعد ابتسامة فخر علت ملامحه:" زكريا تميز منذ نعومة أظفاره بحبه للقدس وبمشاركته في الهبات الشعبية ضد جنود الاحتلال، رغم أنى حاولت كثيراً منعه خشية على حياته".
وتفجر غضب إبراهيم بعد أن قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في السادس من ديسمبر الحالي، الاعتراف بالقدس عاصمة بدولة الاحتلال، حيث خرج في مسيرات غزة المنددة بالقرار الذي وصفه "بالقرار المشؤوم"، وشارك في المواجهات مع جنود الاحتلال عند نقاط التماس بالحجارة والزجاجة الحارقة وإشعال الإطارات المطاطية. حسب والده.
وأضاف الوالد:" منذ قرار ترامب أخذ وعداً على نفسه أن يُداوم كل جمعة على الحدود الشرقية لقطاع غزة ويشارك بالمواجهات مع الاحتلال، إلى أن يتم التراجع عن الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي أو ينال الشهادة من أجل القدس، وكان دائما يردد " القدس اذا ضاعت ما في شيء نبكي عليه أو نعيش من أجله".
موعد مع الشهادة
في كل صباح جمعة، يستيقظ زكريا باكراً لعلة يقضي وقتاً أطول مع عائلته قبل أن يحين موعد خروجه إلى نقاط الالتحام مع الاحتلال، فيودعهم ويرسم الضحكات على ملامحهم ويوصيهم على أبنائه من بعده، وبمجرد أن يحل المساء يعود حزيناً إلى بيته، حتى تحقق حٌلمه بالشهادة الجمعة الماضية.
بصوتٍ مرتجف، سرد والد الشهيد تفاصيل آخر لحظات الشهيد:" يوم الجمعة استيقظ كالعادة وتناول معنا وجبة الإفطار ومازحنا، وطلب منا الدعاء له أن ينال الشهادة هذه المرة، وارتدي كوفيته وأخذ علم فلسطين ومقلاعه وخرج".
الشهيد الكفارنة لم يكن يأبه بالرصاص الحي والغاز المدمع الذي يطلقه جيش الاحتلال الإسرائيلي على المتظاهرين، فكل ما كان يبتغيه هو الشهادة في سبيل أرضه الأم "فلسطين" وأن تظل عاصمتها القدس".
ومع اشتداد وتيرة المواجهات بين قوات الاحتلال والمتظاهرين العزل على الشريط الحدودي الفاصل بين قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م، أطلق جندي إسرائيلي حاقد النار بشكلٍ مباشر على صدر زكريا، ليرتقي شهيداً ويوفي وعده لفلسطين.
وعقب الأب المغلوب على نبأ استشهاد نجله:" لقد تمنى الشهادة وطلبها كثيراً واليوم حقق ما كان يتمناه، ورغم قسوة فراقة فأنا سعيد وفخور باستشهاده من أجل فلسطين والقدس".
وشدد على أن مدينة القدس لا أحد يستطيع أن يمنحها للكيان "الإسرائيلي" لا أميركا ولا أي دولة اخرى ومصير القدس بيد الشعب الفلسطيني الثائر.
الوداع الأخير
والد الشهيد بات يستجمع قواه تارة ويكفكف دمعه تارة أخرى، ورغم صعوبة وضعه أصر على انتظار فلذة كبده مع جموع المنتظرين لإلقاء نظرة الوداع وطبع القبلة الأخيرة على جبينه، كيف لا وهو من رافقه سنوات العمر الطويل وشاهد نموه لحظه بلحظه الى أن شب بين يديه.
وشارك الآلاف مساء الجمعة الماضية في تشييع الكفارنة، حيث تم نقله من المستشفى إلى مسقط رأسه في بيت حانون شمال القطاع، حيث ألقت أمه وعائلته نظرة الوداع في أجواء مؤثرة حضرت فيها الدموع، وامتزجت الزغاريد مع الدعاء للشهيد، حتى تم دفن جثمانه في مقبرة الشهداء شرق جباليا.
وردد المشاركون في الجنازة هتافات غاضبة مطالبة بالرد على جرائم الاحتلال، وشعارات تؤكد على استمرار الانتفاضة وضرورة الاستمرار في فعالياتها.


التعليقات : 0