غزة/ دعاء الحطاب:
قسوة حياة المخيم وشمسها العنيدة جعلت منه طفلاً بقلب رجل، أخذ من الحجارة لعبةً يطارد بها محتل أرضه، كبر جمال مصلح (22 عاماً) بين أحضان أسرة فقيرة مناضلة محبة للوطن، وكبر حب فلسطين في جوانحه وازداد تمرده على الواقع المرير الذي يعيشه وأبناء شعبه تحت براثن الاحتلال الإسرائيلي، ليتحول من طفل لاجئ إلى نجمٍ لامع في جل الفعاليات الشعبية التي خرجت تعبر عن غضبها بالاشتباك مع جنود الاحتلال عند نقاط التماس على حدود قطاع غزة، والتي زادت منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القدس عاصمة للكيان الإسرائيلي.
و ظهر يوم الجمعة الماضي، غادر جمال منزله في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، سيراً على الأقدام متوجهاً نحو الشريط الحدودي الفاصل بين القطاع و الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م، شرق مخيم البريج لمواجهة جنود الاحتلال، بعدما ودع أهله وأصدقاءه ونعي نفسه على صفحات التواصل الاجتماعي.
وما أن وصل جمال المعروف بين أقرانه باسم "بسيسو"، حتى تلثم بكوفيته وحمل مقلاعه وشرع في رشق جنود الاحتلال بالحجارة، ولسانه يصدح بـ" القدس عاصمة فلسطين"، وما هي الا لحظات حتى مزقت رصاصات الغدر جسده الطاهر لتستقر إحداها في الكبد، ونقل على إثرها للمستشفى بحالة خطيرة واجريت له عدة عمليات، حيث تمكن الأطباء من إيقاف النزيف إلا أن حالته بقيت حرجة، ما استدعى بقاءه في غرفة العناية المركزة.
وبعد ثوانٍ معدودة توافد الأهل والأصدقاء إلى المستشفى ينتظرون سماع أي إشارة تنعش الأمل في بقائه حياً، إلا أن الأطباء أعلنوا بعد ساعات أنه فارق الحياة، ليعم الحزن مخيم المغازي.
الشهيد الفقير
حاول الشهيد جمال الابن الأكبر لعائلته المكونة من عشرة أفراد، أن يُحسن وضع أسرته التي تعاني حالة فقرٍ مدقع وتقطن في منزل متواضع لا تتجاوز مساحته 50 متراً ولا يتوفر به أدنى مقومات الحياة، لكنه فشل في إيجاد فرصة عمل كباقي الشباب في القطاع المحاصر.
ورغم انشغال جمال، بالبحث عن عمل يسد جوع عائلته ويبني به مستقبله، الا أن ذلك لم يثنه عن تأدية واجبه الوطني تجاه قدسه التي دنسها الاحتلال وحاول تهويدها بشتى الطرق والوسائل.
وبدموع الحسرة والألم، تحدثت والدة الشهيد مصلح:" ابني جمال كان سند البيت ترك المدرسة في المرحلة الإعدادية ليساعدنا ويخفف معاناتنا، ولم يترك باباً الا طرقه باحثاً عن العمل وتعثر كثيراً بحياته ".
وتتابع الام المكلومة لـ"الاستقلال": "اعتقل جمال من قبل جيش الاحتلال بعد اجتيازه الحدود الفاصلة بين قطاع غزة والأراضي المحتلة عام 1948 للبحث عن عمل وخضع خلالها للتحقيق والتعذيب وحكم عليه بالسجن لمدة عام".
وأضافت بغصة تعترض صوتها: " بعد الافراج عنه تفاجأت بأنه أصبح أوعي لقضيته وازدادت رغبته بالانتقام من اليهود واصراره على تقديم روحه فداءً للوطن"، مستذكرة كلماته " يما انا بالسجن شوفت شو يعني احتلال، لازم احنا انضل نقاوم لنحرر فلسطين".
موعد مع الشهادة
وأوضحت والدة الشهيد، أن يوم السادس من ديسمبر الماضي والذي أعلن فيه بأن القدس عاصمة لإسرائيل، كان نقطة تحول كبيرة في حياة نجلها، فبعد ساعات طويلة قضاها في متابعة الردود المحلية والدولية المنددة بالقرار الذي وصفة "بالمشؤوم"، تغيرت ملامحه واعتلى الغضب وجهه، وفجأة صرخ وضرب يده في الجدار وقال بصوت عالٍ " كمان القدس أخذوها".
وأردفت بحزن: " حينها شعرت بقلق كبير عليه وبدأت بتهدئته لكنه لم يستجب وخرج، ولأول مرة أراه بهذه الحميه وكأنه بركان هائج، واستمرت ثورته واندفاعه على نقاط التماس مع الاحتلال حتى لقي ربه شهيداً يوم الجمعة الماضية اثر اصابته بعدة رصاصات في الكبد".
وقالت والألم يعتصر قلبها: " استشهاد جمال كان بمثابة صعقة لنا، ما كنت بيوم اتوقع انه يستشهد بهاد العمر"، مؤكدةً أن استشهاده ترك ألماً كبيراً في قلبها وقلب أحبائه، وترك فراغا لا يمكن أن يملأه أحد من بعده، وعزاؤها الوحيد أن نجلها حقق حلمه بالشهادة التي طالما تمناها.
وتستذكر الأم المغلوبة على أمرها، آخر ساعات لبكرها في المنزل قائلة: " كان جمال على غير طبيعته مشاغب وبضحك كتير، يمازح الجميع ويحضنهم ويلاعب أخواته بشكل غريب، وقتها طلبت منه يذهب ليجهز حاله لصلاة الجمعة، حكالي أمرك بس بدي أحضنك أخر مره، شعرت أنه متغير لكن لم أتوقع أنه كان يوعدنا".
وتصف ابنها الشهيد، بأنه أحب أبنائها إلى قلبها، فقد كان طيب القلب بشوش الوجه، باراً بوالديه محباً لإخوانه حنوناً عليهم، يحب فعل الخير ومساعدة الأخرين حتى بأقل الإمكانيات، صادقاً ومحبوباً من الجميع، عزيز النفس لا يُفصح عن ألمه.
الوداع الأخير
وبصيحات الغضب والتنديد بجرائم الاحتلال انطلق موكب الشهيد جمال مصلح الذي شارك فيه العشرات من أبناء مخيم المغازي من مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح ، وصولاً إلى منزله المتواضع لإلقاء نظرة الواع عليه .
وفي حضرة الوداع الشهيد كانت مشاعر الفخر والصبر تزين ملامح والدة الشهيد وذويه أكثر من ألم الفراق والحزن لرحيله، وقالت والدته بعد أن طبعت القبلة الأخيرة على جبين نجلها :" انا فخورة فيك وان شاء الله راح نكون كلنا شهداء مثلك".
ومن ثم انطلق الموكب الى المسجد الكبير لأداء الصلاة عليه بعد صلاة الظهر، ليروي بعدها الثرى في مخيمه الذي أحب، وسط تأكيد المُشيعين مضيهم على درب شهداء القدس حتى اسقاط قرار ترامب الأخير.


التعليقات : 0