التحليل السياسي/ عامر خليل:
بعد تسريبات وغموض دام ما يقارب الشهر فإن الولايات المتحدة الامريكية تعلن بشكل رسمي عن خفض النصف من مساهمتها في ميزانية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الاونروا» ورغم الاعلان الامريكي أن هدف التقليص لفرض اصلاحات في «الاونروا» ولا تستهدف عقاب الشعب الفلسطيني الا ان هذه التبريرات لا تنطلي على أي مراقب سياسي فالقرار الامريكي استهداف واضح لقضية اللاجئين الفلسطينيين وتماثل سياسي واضح مع الموقف الاسرائيلي بتصفية قضية اللاجئين واسقاط حق العودة، ولا يمكن فصل هذا الاعلان الامريكي بشأن «الاونروا» عن الاعتراف الامريكي بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال ما يعني ان واشنطن تحسم وتغير سياساتها في قضايا الصراع الاساسية واذا ما اضفنا الى ذلك الغطاء الامريكي للاستيطان الاسرائيلي بما في ذلك تبييض البؤر الاستيطانية الصغيرة فإن الصورة تتضح بشكل اكبر في توجه امريكي لحسم قضايا الحل النهائي وفق الرؤية الاسرائيلية.
"الاونروا" رمز قضية اللاجئين، واللاجئون هم حاضنة النضال الفلسطيني على امتداد عقود الصراع والاجيال المتعاقبة من اللاجئين بعد رحيل معظم جيل النكبة وتوارث الابناء والاحفاد حق العودة الذي تحول الى ثقافة تنتقل من جيل الى آخر يحفظ اسماء القرى التي هجر منها اباؤهم واجدادهم وتبعثر الوهم الاسرائيلي بان الزمن كفيل بنسيان اللاجئين لقضيتهم تحول الى حالة قلق دائمة انعكست في مخطط يركز على انهاء القضية بتوطينهم في الاماكن التي يقيمون فيها في دول الشتات والداخل او دول اخرى توافق على استيعابهم ومنحهم جنسيتها.
لما كان الشتات يؤكد على التمسك بحق العودة ويعقد مؤتمرات سنوية في مؤتمرات متنقلة في عواصم العالم فإن الجهد الاسرائيلي انتقل الى فرض انهاء وتصفية القضية عبر مخطط دولي ومع ادراكها بان هذا المخطط لن ينجح بمفردها لجأ الكيان الاسرائيلي الى الولايات المتحدة من اجل تحقيق هذا الهدف واثار الموضوع في دوائر الكونغرس تحريضا ضد الاونروا بدعوى وجود مقاومين فيها واولوية توجيه الدعم ميزانية "الاونروا" الى ملايين اللاجئين في العالم بما يعني تصفية "الاونروا" وتحويل قضية اللاجئين الى مفوضية اللاجئين الدولية التابعة للامم المتحدة ومساواتهم بباقي اللاجئين في العالم وفك الربط بين حل "الاونروا" وتطبيق قرار 194 الخاص بعودة اللاجئين وتعويضهم عن سنوات التهجير واستخدام مساكنهم واراضيهم من قبل الصهاينة وخطوة التخفيض الامريكية مؤشر واضح على تحول فرض التوطين والتصفية الى خطوات عملية.
الولايات المتحدة واضحة في مواقفها في عهد ترامب وكذلك الادارات السابقة في اسقاط حق العودة من خلال تأكيدها وتبنيها مقولة "يهودية دولة اسرائيل" بما يعني عدم تغيير الواقع الديمغرافي الا ان التخفيض يشكل خطوة متقدمة في تحقيق هذه الرؤية والتبرير الذي ساقته الخارجية لفرض اصلاحات على "الاونروا" ولا يهدف لعقاب الشعب الفلسطيني يشابه تماما الاعلان عن الاعتراف الامريكي بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال والقول في نفس الوقت ان ذلك لا يغير من الموقف الامريكي بان الاتفاق على الحدود في القدس المحتلة يتم بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي فتغليف المواقف الامريكي بجمل اخرى يراد منه تبريرها وتمريرها في نفس الوقت وخلق واقع سياسي امام العالم يفرض التعامل وتقبل الموقف الامريكي الاسرائيلي.
الولايات المتحدة تمس جوهر الحقوق الفلسطينية الثابتة بموقفها من القدس واللاجئين، وما يسرب عما تتضمنه ما يسمى صفقة القرن يؤكد ذلك وهو ما اكده اكثر من مصدر وجاءت على تفاصيله القناة الثانية في التلفاز الاسرائيلي بإبقاء سيطرة إسرائيل على الأمن وضمان وجودها على الحدود مع الأردن، وعدم العودة إلى حدود 67 في الوقت الحالي، وكذلك تبادل بعض الأراضي وعدم إخلاء المستوطنات، وايضا فان اطلاع الكيان الاسرائيلي الولايات على خطة سرية لتبييض البؤر الاستيطانية في الضفة المحتلة البالغ عددها 70 بؤرة يؤكد على ان الولايات المتحدة تتجه الى حسم قضايا الحل النهائي وفق الرؤية الاسرائيلية من جانب واحد في ظل تأكيد على ان صفقة القرن التي يجري الحديث عنها لن تكون قابلة للنقاش وستفرض على السلطة الفلسطينية.
من الواضح المخطط الذي يستهدف تصفية القضية الفلسطينية بمكوناتها الرئيسية يدخل مرحلة متقدمة في ظل ادارة ترامب وحكم اليمين الاسرائيلي المتماثل، ولا يأتي ذلك من فراغ فواشنطن وتل ابيب تلتقطان اللحظة الفارقة التي يعيشها الوضع العربي والفلسطيني بتواطؤ بعض اطراف الاول وتماثله مع المواقف الامريكية من اجل توجيه الجهد والصراع نحو ايران، والثاني بحالة الانقسام الذي يعيشه وانعكست في تردي الاوضاع الداخلية وانكباب الفلسطيني على هموم حياته اليومية وبهذا المشهد ودون تصويب للوضع الداخلي فإن حظوظ ما يخطط له في واشنطن وتل ابيب له نصيب كبير من النجاح.


التعليقات : 0