عملية "بيت ليد".. اسمٌ سطره التاريخ

عملية
مقاومة

الاستقلال/ خاص :

الثنائي المزدوج «أنور سكر وصلاح شاكر» رفيقا الدرب والشهادة، هكذا ارتبط اسمهما معاً، ليكونا أول من نفذ عملية استشهادية فلسطينية مزدوجة شكلت كابوسا قض مضاجع قادة الاحتلال الإسرائيلي وجيشه منذ 23 عاماً.

وتعد عملية بيت ليد، التي نفذتها حركة الجهاد الإسلامي في 22 يناير 1995 ، بأيدي الاستشهاديين صلاح شاكر وأنور سكر، اللذين تمكنا من تفجير نفسيهما في تجمع لجيش الاحتلال موقعين 26 جنديا قتيلا وأكثر من 80 آخرين أصيبوا بجراح مختلفة، من أقوى العمليات الاستشهادية سواء من حيث طريقة التنفيذ او عدد القتلى الصهاينة من العسكريين.

 

نقطة الصفر

 

ففي صباح يوم 22/10/ 1995م، كان أنور وصلاح ينتظران بشغف امتلاء المكان بالجنود، وعندما دقت الساعة لتعلن اقترابها من التاسعة والعشرين دقيقة زاد المكان جمالاً في عيني الشهيد أنور سكر المكحلة برؤية الشهادة، فتقدم بضع خطوات باتجاه فريسته وكبر وفجر جثمانه الطاهر بهم.

 

دقائق مرت سريعاً تعلوها صرخات جنود الكيان بعملية تفجير وقعت في صفوفهم، وصلاح ينتظر دوره وعيناه تراقبان الأشلاء تتطاير هنا وهناك ليزيده المشهد شجاعة وشوقاً للحاق برفيقه.

 

وما هي إلا لحظات معدودة وبدأ الحشد يزداد وسيارات الإسعاف تصل المكان، حتى أصبح المشهد مغرياً يزيد قلب صلاح حريقاً، فتقدم بين صفوفهم وفجر جسده الطاهر فتطايرت أشلاء الجنود الصهاينة مرةً أخري، لتصبح حصيلة العملية مقتل 26جندياً وإصابة أكثر من 80 آخرين حسب اعترافات العدو.

 

واحتفظت عملية بيت ليد إلي اليوم بشرف صدارة العمليات الفلسطينية الأكبر في تاريخ النضال الفلسطيني ، سواء من حيث كونها باكورة العمليات الاستشهادية المزدوجة أو من حيث الدقة المتناهية في اختيار ورصد الهدف ، وكذلك عدد الجنود القتلى نتيجة العملية، ويصادف أمس ذكراها الثانية والعشرين.

 

ألم الفراق

 

ثلاثة وعشرون عاماً مضت على الفراق ومازال ذلك الحزن العميق يحتل قلب والدة الشهيد صلاح شاكر من مخيم رفح جنوب القطاع، فكيف يزول الألم وقد كان أنيس وحدتها وضياء بيتها وضحكة وجهها في ذلك الوطن البائس"، وبالرغم من أن نجلها نال شرف الشهادة التي تمناها إلا أنها تَبكِيه دمعاً كلما مر طيفه من أمامها.

 

تتحدث شاكر لـ"الاستقلال" :" صلاح تربي وهو يرى ظلم الاحتلال لأهل وطنه وكلما كبر كبرت معرفته بقداسة وإسلامية وطنه، فكان دائما يتابع الأخبار ويحترق قلبه على أهل وطنه، حتى أصبح يحدثني دائماً عن الشهادة وتمنيها، وزاد نشاطه بالدعوى لها في ذلك الوقت والتحق بصفوف المجاهدين في حركة الجهاد الإسلامي".

 

وتصف شاكر نجلها  بأنه خيرة شباب "رفح" حيث كان طيب القلب بشوش الوجه وعلى علاقة طيبة بعائلته بارا بوالديه محبا لإخوانه، لطيفاً مع أصدقائه يسعى دائما للاقتراب منهم ومساعدتهم، أحبه أهالي مدينته ووصفوه بالوطنية والصلاح".

 

تضيف شاكر: " رغم السنوات الطويلة مازال اسم صلاح يتردد دائماً، ومازلت بطولته شرفاً وفخراً لنا"، لافتة إلى أن حركة الجهاد الإسلامي كل عام في ذكري استشهاده وذكرى عملية بيت ليد تقدم لفتات جميلة تؤكد على تمسكهم بذات النهج الذي سار عليه صلاح ورفيقه أنور سكر.   

 

الوداع الأخير

 

ويستذكر عبد الله سكر لـ"الاستقلال" أخر ساعات لشقيقة أنور بين أحضان عائلته، قائلاً: " كان أنور في ساعات غروب يوم 21 يناير يتصرف بغرابه كأنه ودعنا دون علمنا، فقد أخذ جميع أفراد العائلة إلى استوديو التصوير المجاور للمنزل والتقط صوره مع كل فرد على حدة وصورة جماعية للعائلة".

 

ويكمل حديثه:" حينما شعر والدي بالقلق والاستغراب من تصرف أنور سأله لماذا تفعل هذا؟ فأجابه أريد أن أبقى بجانبكم دائما وتتذكروني وأكون شرفاً لكم، لم نأخذ بكلامه كثيراً فهو عادةً يردد تلك الكلمات، عاد الجميع للبيت وبقيت أنا ماسكاً بيد أنور فهو كان قدوتي وقوتي، بعد دقائق طلب مني شراء المكسرات من الدكان المجاورة لنا عند عودتي لم أجده وبقيت أبحث دون فائدة".

 

نامت عيون المحبين تلك الليلة بعد ساعات طويلة من انتظار أنور على أمل رجوعه صباحاً، لكنهم في اليوم التالي وفي تمام الساعة التاسعة صباحاً استفاقوا على أصوات التكبيرات والتهليلات التي صدحنا منابر مساجد حي الشجاعية، معلنة استشهاد أنور سكر ورفيقه صلاح شاكر بعدما أقدما على تنفيذ عملية بيت ليد.

 

ويوضح سكر لـ"الاستقلال": " استشهاد أنور كان صدمة لقلوبنا ولكن ما خفف من قسوتها أنه كان ينتظر الشهادة بشغف ويطلب من الجميع الدعاء له بنيل شرفها، وكان يكافئ من يدعو له، فقد كان يتمني اللحاق بموكب الشهداء، ولكون الشهادة شرفاً كبيراً يمنحه الله لمن أراد من الشهداء ويقول دائما أن الحياة فكرة أما أن نبقيها عالقة في ذاكرة الناس وأما سنموت مثل غيرنا ويمحونا الدهر"، مشيراً إلى أنهم لم يتوقعوا أن أنور سيقدم على تنفيذ العملية لتحقيق حلمه.

 

وهنا عند سماع خبر الاستشهاد توقفت نبضات القلوب وتحجرت الدمعات في العيون وهي تشاهد أحداث العملية الاستشهادية على شاشة التلفاز وترى أشلاء أبنائها متناثرة في المكان، وعم الحزن والفرح في الوقت ذاته كل منزل وشارع في قطاع غزة، فقد رحل قمران من أقمار حركة الجهاد الإسلامي ، وأصبح وهج الشهادة في يناير عطراً فواحاً يكشف مكنون الحب والعشق الدفينين في قلوب محبيهما.

 

وبكل فخر وصف عبد الله عملية بيت ليد "أنها تعد أكبر ضربه للعدو الإسرائيلي منذ بدأ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى اليوم، وأنها كانت درساً لن ينساه الكيان الصهيوني والمجتمع الدولي بأكمله، خاصة أن قتلى العملية كانوا من الجنود الذين يقتلون أبناءنا وليسوا من المدنين".

 

ردود الأفعال

 

بعد ساعات من تنفيذ عملية "بيت ليد" وبعد حالة الهلع والذعر التي أصابت الكيان الصهيوني، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين، ليعلن عجزة عن إيقاف العمليات الاستشهادية وهزيمته أمامهم، حيث قال  ماذا تردون مني أن أفعل؟ هل أعاقبهم بالموت وهم جاءوا إليه!!".

 

ومع تزايد غضب الشارع الإسرائيلي ومطالبة قيادته بالانتقام والرد على تلك الهزيمة التي وقعت في صفوفهم، أعلن "رابين" بدء سياسة الاغتيال والتصفية تجاه من ثبت وقوفهم خلف العملية.

 

وقد طالت يد الموساد الإسرائيلي  العقول المدبرة لعملية " بيت ليد" على رأسهم الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الدكتور فتحي الشقاقي، ومؤسس الجناح العسكري للحركة محمود الخواجا، وكذلك اغتيال مهندس الأحزمة الناسفة للعملية المهندس محمود الزطمة.

 

وكانت سلطات الاحتلال الصهيوني تحتفظ بجثماني الشهيد أنور سكر وصلاح شاكر ضاربة عرض الحائط بكل المواثيق والأعراف الدولية في هذا السياق، قبل أن تفرج عن جثمان الشهيد سكر وقيام ذويه باختبار اخذ عينة (DNA)  بطلب من النيابة الإسرائيلية وذلك ضمن حملة قضائية للإفراج عن جثمان نجلهم في يوليو  الماضي.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق