غزة/ سماح المبحوح :
كبر سنوات وكبر حلم الدراسة معه، لم ييأس أو يستسلم، فاجتهد وثابر، ووضع حلمه نصب عينيه وسعي لاستكماله، جهز أوراق السفر للرحيل عبر معبر رفح البري، طالبا بكلية الهندسة بالجزائر، إلا أن أيدي الغدر الصهيونية اعتقلته على بوابة المعبر، باليوم الذي كاد أن يصنع أولى خطوات حلمه، ليتبدل حاله لطالب عدالة لزملائه الأسرى داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي.
حلم التسلح بالعلم رغم وقوف الاحتلال أمامه لسنوات الا أنه أصر على بدء خطواته من بين قضبان الاسر حيث تمكن من الحصول على بكالوريوس في التاريخ من جامعة الأقصى داخل الاسر.
الأسير المحرر طارق المدلل (30عاما) من مدينة رفح جنوب قطاع غزة خرج السبت الماضي، بتفكير مغاير عن يوم اعتقاله، بعد رحلة اعتقال دامت أربعة عشر عاما، قضاها متنقلا بين مختلف السجون الإسرائيلية.
ويقول المحرر المدلل لـ"الاستقلال":" كنت كما عدد كبير من الشباب الطموح الذي يعيش بالقطاع، لدي حلم بالسفر ودراسة الهندسة بعد انتهاء مرحلة الثانوية العامة بإحدى الدول، فاخترت الجزائر لتكون وجهتي لاستكمال مرحلة الجامعة، إلا أن حلمى لم يكتمل نتيجة اعتقالي".
ويضيف:" هدم الاحتلال الإسرائيلي حلمي بدراسة الهندسة، لكن بدلتها بحلم أكبر وأعظم، وعهد قطعته على نفسي بعد تحريري ، يتجلى بالدفاع عن قضية الأسرى، والمشاركة بكافة الأنشطة التي تخدم قضيتهم العادلة ".
رحلة التنقل
شهر ونصف هي الأيام التي تلت اعتقاله مباشرة، قضاها الأسير داخل أروقة التحقيق، كانت الأصعب والأشد مرارة على نفسه، إذ لم يعهد طيلة فترة مكوثه خارج السجن، أن يخضع لضغط نفسي كبير ويمارس بحقه تعذيب، لنزع اعترافات وتحويلها فيما بعد لتهم تدينه، كما ذكر.
ويوضح أنه مكث بسجن عسقلان مدة ثلاثة أشهر ونصف بعد انتهاء فترة التحقيق معه، ثم عامين بسجن ايشل، وبعدها تنقل ما بين سجن ريمون ونفحة بقية مدة الاعتقال، هي التي صنعت منه شخصية مثقفة، حافظة للقرآن الكريم وشخصية قوية تستطيع مواجهة المحتل والحصول على ثقة الأسرى، لتنصيبه ممثلا لحركة الجهاد الإسلامي بالسجن.
معاناة الأسير المحرر المدلل داخل السجون الإسرائيلية، وتنقلاته العديدة بمختلف السجون، جعلته شاهدا على قصص زملائه وآلامهم واشتياقهم لذويهم كما هو، فصنعت داخله حافزا، أن يفني بقية عمره بعد تحريره، بالدفاع عنهم والانخراط بكل عمل يصب في مصلحتهم .
ويبين أنه انتخب ممثلا عن أسرى الحركة داخل السجون، بعد 6 سنوات ونصف من دخوله السجن، ليكون ناطقا باسمهم، ويتخذ قرارات مصيرية، كالمشاركة بالخطوات النضالية والاحتجاجية ضمن اللجنة المكلفة بذلك.
وأشار إلى أن اتخاذ أي خطوة كمشاركة أسرى الحركة في إضرابات مفتوحة عن الطعام، كانت تدرس بشكل دقيق جدا من قبل الممثلين ومن ينوبون عن الاسرى، قد تستغرق لأيام أو بعض الأحيان شهر.
ولفت إلى أن أسرى الحركة برهنوا لإدارة مصلحة السجون، التي بات تدرك جيدا العقلية التي تقود أسرى الحركة، أن أي تصعيد ضد أسير من حركة الجهاد يواجه بالقوة، كالاعتداء على أي أسير، يواجه بعملية طعن لشرطي أو ضابط اسرائيلي بالسجن.
ساعة الوداع
كانت عقارب الساعة متثاقلة جدا وكأنها لا تتحرك، فالدقائق الأخيرة التي تفصل بين ظلمة السجن ونور الحرية والخروج لأرض الوطن، قضاها المحرر طارق سارح في صورة زملائه خلف الذين سيتركهم خلفه بأقبية الزناين الصهيونية، وكيفية لقاء الأهل والأحبة، ودموع ممزوجة بين لوعة فراق إخوة الدرب ولقاء أبناء الدم والعرق.
الوصايا ومطالبات زملائه بالأسر خاصة أسرى أراضي (48) بتذكير التنظيمات بوجودهم داخل السجون، والعمل على ارفاق أسمائهم ضمن صفقة تبادل قادمة، كانت الوصية الأبرز التي حملها المحرر المدلل على عاتقه لينقلها للقادة والمسئولين.
وأوضح أن أسرى أراضي (48) مهمشون من الاحتلال الإسرائيلي إذ أنه يعطي الحق لنفسه بتقرير مصيرهم، لأنهم يحملون الهوية الإسرائيلية، وكذلك مهمشون من التنظيمات التي لا تمتلك قدراً كافياً من المعلومات عن عددهم ومناطق سكناهم وغيرها من المعلومات المهمة.
وبين أن كافة الأسرى يحلمون باليوم الذي تعقد به فصائل المقاومة صفقة تبادل، تشملهم جميعا دون استثناء، كما حصل بصفقات عقدت بالسنوات الماضية، مشيرا إلى أن الأيام تمضي على الأسرى بصعوبة بالغة، نتيجة انتهاكات إدارة مصلحة السجون بحقهم.
ونوه إلى أن الأسرى يحاولون خلق أجواء خاصة بهم، مفعة بالأنشطة والفعاليات، إلا أن إدارة مصلحة السجون تنغص عليهم حياتهم بالتفتيشات الليلية المفاجئة والإجراءات التعسفية الأخرى، كحرمانهم من التعليم.
لحظة اللقاء
وصل الأسير المحرر المدلل معبر بيت حانون " ايرز" ليستقبل كما العرسان في موكب مهيب، حضره أقرباؤه وأصدقاؤه ومحبوه، وعناصر مسلحة من سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، احتفوا به بموكب سار من شمال قطاع غزة إلى رفح جنوبا حيث مسقط رأسه.
خروج الأسير من السجن بعد سنوات طويلة، جعل السعادة والفرح يغمران قلب والديه واخوته، ومن عرفه وتعامل معه من أبناء منطقته، ولونت سماء مدينته بالزغاريد وصحيات التكبير والتهليل، التي امتزجت مع طلقات الرصاص التي دوت فرحا بخروجه.
وبين المحرر المدلل أن مكوثه داخل السجن مدة 14عاما، غير من معالم قطاع غزة خاصة مدينته رفح، و ملامح الصغار التي اكتست بالشباب والرجولة، وخلالها فقد بعض الأحبة الذين فارقوا الحياة دون وجوده، وبعضهم كبر وتزوج وكون عائلة، وغيرهم الذين بنوا أحلامهم وسعوا لتحقيقها.
حلم الزواج والاستقرار وتكوين عائلة وأبناء كما غيره من الشباب، الخطوة التي يؤسس لها المدلل، بعد فترة وجيزة من ترتيب أموره، معتبرا أنها الفرحة المنتظرة لدى عائلته، التي طالما حلمت بأن تفرح به وترى أبناءه، كما تحدث.


التعليقات : 0