غزة/ دعاء الحطاب:
ليست مجرد أنابيب بلاستيكية تلك الممتدة بين جهاز غسيل الكلى وبين ذراع الطفلة آية الهيثم (5 سنوات)، إنها بمثابة شرايين حياة لها ولمئات أمثالها ممن يعانون من مرض الفشل الكلوي بقطاع غزة، ويحتاجون إلى عملية غسل بشكل منتظم. لكن شرايين الحياة هذه قد تتوقف عن العمل خلال ساعاتٍ معدودة، عقب نفاد الوقود اللازم لتشغيل الأجهزة الطبية داخل مستشفى الشهيد محمد الدرة شمال القطاع، ليهدد الموت حياة هؤلاء الأطفال المرضى الذين لا تقوى كلاهم الطبيعية على إزالة الفضلات والمواد السامة في الدم، وغيرهم المئات ممن ترتبط حياتهم بالأجهزة في كافة الأقسام، كمرضى العناية المركزة والقلب والأطفال الخدج وغيرهم، الامر الذي يجعلهم جميعاً عرضة للوفاة في أي لحظة.
ولم يقتصر الحال على مستشفى الدرة، فقد عصفت أزمة نقص الوقود بمستشفى بيت حانون الحكومي منذ يومين، فأوقفت خدماتها الطبية بالكامل اذ لم تعد قادرة على استقبال أي حالات مرضية في جميع الأقسام، مهما بلغت قسوة وصعوبة الحالة المرضية، بالإضافة إلى تعطل الأجهزة والمُعدات الطبية المستخدمة في العلاج.
تنتظر الموت
وتختصر تفاصيل وجه أم محمد، والدة الطفلة حالة القلق والتوتر التي تسيطر عليها، خشية تعرض فلذة كبدها لمخاطر صحية قد تؤدي لوفاتها في أي لحظة، خصوصاً وأن الغسل الكلوي يعد الوسيلة الأساس التي تبقيها على قيد الحياة.
وتقول أم محمد لـ"الاستقلال": "آية مصابة بفشل كلوي كامل وأجهزة وجلسات غسيل الكلى هي ما تبقيها على قيد الحياة، مشيرة إلى أن ابنتها تغسل مرتين باليوم وتضطر للمبيت داخل مستشفى الدرة منذ عشرين يوماً، لخطورة وضعها الصحي".
وتتابع :" الثلاثاء الماضي أبلغنا الأطباء أنهم سينقلوننا إلى مستشفى النصر لإكمال العلاج وسيغلقون أقسام المبيت في الدرة، بسبب نقص الوقود اللازم لتشغيل الاجهزة الطبية وانارة الاقسام، كذلك خوفاً من توقف المولدات بأي لحظة أثناء جلسات الغسيل مما يُشكل خطراً على حياة أطفالنا المرضى".
وبينما تكفكف أم محمد دموع ابنتها التي تتلوى ألماً خلال جلسة غسيل الكلى، تجلس متأملة وجوه الأطفال المنهكين على الأسرّة وقلوب أمهاتهم وأبائهم تعتصر ألماً على مصيرهم المجهول، متسائلة " معقول أن تتحول براءة الأطفال إلى أجساد ميتة".
وأضافت بغضب "اليوم نقلونا لمستشفى ثانية وأنقذوا حياتهم، لو استمرت الأزمة واصابة كافة المستشفيات كيف سينقذونهم؟ أم ننتظر موتهم أمام عيوننا؟".
واقع أليم
ومن جانبه، أكد ماجد حمادة مدير مستشفى الشهيد محمد الدرة، أن المستشفى بات عاجزاً عن تقديم الخدمات الطبية التي تعتمد على الكهرباء للمرضى، نظراً لنفاذ الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية في ظل انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من 20ساعة يومياً.
وأضاف حمادة لـ"الاستقلال": " نحن أمام واقع أليم وصعب، اذ يعمل المستشفى حالياً ضمن خطة طوارئ جرى إعدادها مُسبقًا، تتمثل باقتصار تقديم الخدمات الطبية للحالات المرضية البسيطة كرعاية أولية، في حين تعمل على سياسة الاسعاف وتأمين الحياة للحالات الحرجة ثم نقلها للمستشفى النصر ومستشفيات أخرى"، لافتاً إلى أن ذلك يفاقم الأعباء الملقاة على المستشفيات ويؤثر في جودة الخدمة المُقدمة في ظل تراكم الأزمات من نقص دواء وإمدادات طبية.
وأوضح أنه جرى نقل قسم العناية المركزة بأسرته وأجهزته وطواقمه إلى مستشفى النصر للأطفال، كونه قسماً حيوياً له خصوصيته يحتاج المرضى بداخله الى أجهزة تنفس صناعي وأجهزة اخرى لا يمكن فصلها للحظة واحدة من أجل انقاذ حياتهم، كما أنه تم نقل المرضى الذين بحاجة لرعاية مستمرة، وسيتم اغلاق اقسام المبيت خلال الساعات القادمة.
وذكر أن أكثر من 100 ألف طفل من المنطقة الشرقية يتلقون العلاج في المستشفى الدرة، ويستقبل ما يقارب ( 150- 180) حالة مرضية متنوعة ما بين حالات تتلقي علاجها في الاستقبال، وحالات أكثر صعوبة تحتاج الى المبيت اذ يحتوي القسم على 45 سريراً، وقسم العناية المركزة يحتوي على 5 أسرة.
وناشد كل الضمائر الحية في أنحاء العالم، للتحرك لإنقاذ القطاع الصحي وحياة المرضى، مطالبًا بضرورة تجنيبه المناكفات والتجاذبات السياسية.
مرحلة غير مسبوقة
وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة أمس، توقف عدد جديد من المولدات الكهربائية الخاصة بالمراكز الصحة في قطاع غزة بسبب نفاد الوقود اللازم لتشغيلها.
وقال المتحدث باسم الوزارة د. أشرف القدرة:" إن أزمة الوقود الخانقة التي تعاني منها وزارة الصحة في غزة تسببت بتوقف المولدات الكهربائية في 7 مراكز صحية في القطاع، وهي مركز الصوراني والقومسيون الطبي والمؤسسة الطبية وادارة صحة غزة ومركز عبسان الكبيرة و العطاطرة و المعاقين حركيا".
وأكد أن الخدمات الصحية بغزة في انحسار مستمر بعد توقف عدد منها في مستشفى بيت حانون ومستشفى الدرة للأطفال وتحويل مرضاها للمستشفيات الاخرى بسبب الأزمة، منوها الى أن "بضع ساعات تفصلنا عن توقف المولد الكهربائي في مستشفى الطب النفسي".
وأشار القدرة الى توقف المولد الكهربائي في مستشفى بيت حانون لليوم الثالث على التوالي، مؤكدا على تأثر كافة خدمات المستشفى التي يحتاجها 55 الف نسمة جراء ذلك.
وبين القدرة، أن لجنة ادارة الازمة في وزارة الصحة، أكدت أن الوضع الصحي في قطاع غزة دخل مرحلة غير مسبوقة جراء أزمة الوقود، وطالبت الجهات المانحة بالتدخل الفوري لإنهائها، كما طالبت شركة توزيع الكهرباء بعمل معالجات عاجلة لتوفير الكهرباء للمستشفيات على مدار الساعة.
وبحسب بيانات سابقة لوزارة الصحة، فإن مستشفيات غزة بحاجة إلى 450 ألف لتر من الوقود شهرياً، لتشغيل المولّدات الكهربائية في حال انقطاع التيار الكهربائي لمدة تتراوح بين (8-12 ساعة) يومياً، بينما تحتاج إلى نحو 950 ألف لتر (شهرياً) حال انقطاع الكهرباء لمدة 20 ساعة يومياً.


التعليقات : 0