في الذكرى الـ69

لاجئون: سرقوا ذكرياتنا ولكنهم زرعوا فينا عشق التراب

لاجئون: سرقوا ذكرياتنا ولكنهم زرعوا فينا عشق التراب
فلسطينيات

الاستقلال/ ولاء الجعبري

يواظب الحاج سعيد المسحال "أبو وائل" على الجلوس وسط بيته المكون من طابقين في مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة, بانتظار أحفاده الذين يتحلقون حوله ليقص عليهم الحكايات القديمة التي عايشها قبل( 69 عاماً) عندما كان عمره حينها 11عاماً) فقط.

 

"صحيفة الاستقلال" في ذكرى النكبة التقت الحاج أبو وائل (79عاماً) من مواليد قرية الجورة عام 1938م, والذي سرد لنا حكاياته التي عايشها في قريته إلى أن خرج منها قسراً بفعل الاحتلال الاسرائيلي.

 

عندما سألنا الحاج أبو وائل عن تفاصيل التهجير, أجاب وكأن الزمن يعود به للوراء :" بدأ اليهود بإطلاق القذائف على البلدة من البوارج البحرية, والطائرات تقصف على البيوت, حتى  استشهد ما يقارب الثلاثين شخصاً من شدة الانفجارات المتواصلة على أهالي القرية".

 

وكان أهل كل قرية تتعرض للهجوم العسكري من العصابات الصهيونية يلجؤون إلى القرية المجاورة لها, وعن ذلك يقول الحاج أبو وائل :" غادرنا قريتنا إلى قرية هربيا المنحدرة أسفل قرية الجورة, برفقة والدي ووالدتي واخوتي لنحمي أنفسنا من زخات الرصاص المتوالية على البيوت".

 

نفث الحاج أبو وائل دخان سيجارته واستكمل حديثه:" لم يأخذ المسير من قريتنا إلى هربيا سوى ساعات قليلة مكثنا فيها ولم يكن معنا ما نسد به جوعنا إلى أن لاحقتنا قوات الاحتلال وتم ترحيل أهل قرية هربيا وعاثت فيها خرابا ودماراً.

 

وانتقل الحاج أبو وائل بعدها إلى قطاع غزة خلال أسبوع ونصف الأسبوع, وبتنهيدة واضحة قال:" تأقلمنا مع الوضع الجديد وسكنا في مدينة رفح وجلسنا حينها تحت شجرة الجميز التي أصبحتُ أقطف ثمارها فيما بعد لقاء بعد الثمار.

 

ولم يستطع الحاج أبو وائل أن يحتفظ بشيء يثبت أملاك عائلته في قرية الجورة والمتمثلة في بساتين البرتقال والخضراوات, أو حتى البيت الذي كان يسكن فيه مع عائلته.

 

ذكريات باقية

 

وبدموع تركها الحاج أبو وائل حبيسة عينيه مع تذكره أيام كان يلعب "القلول" أو ما تعرف بالبنانير في قريته مع أصحابه, ومدفع رمضان الذي كان ينطلق مع آذان المغرب, ومسجد القرية والمدرسة.

 

وتقع قرية الجورة التي احتلتها قوات الاحتلال الاسرائيلي في الخامس عشر من مايو 1948, على ساحل البحر المتوسط, وهي من القرى القديمة التي بنيت على أنقاض مدينة عسقلان العريقة, فحين فتح القائد عمرو بن العاص فلسطين, كانت مدينة عسقلان مركزها.

 

قرية حمامة والأعراس

 

انتقلت مراسلة "الاستقلال" من منزل الحاج أبو وائل المسحال, متوجهة إلى بيت الحاجة أم زكريا كلوب (75عاماً) التي لا تبعد عنه سوى بضعة كيلو مترات في مخيم الشاطئ والتي هجرت من قريتها حمامة مع عائلتها عندما كان عمرها 6 سنوات, إلا أنها تتذكر بعض التفاصيل الصغيرة التي لا تزال عالقة في ذهنها.

 

تتذكر أم زكريا الأعراس الفلسطينية في القرى والتي كانت تكللها الفرحة والبساطة, تقول عندما كانت تتزوج احدى نساء القرية, يبدأ الأهل بالتجهيز للعرس من ملابس وفساتين ونسجها وتفصيلها بالأيدي, إضافة إلى تجهيز بعض المساند والأغطية للعروسين, وصولاً إلى إقامة العرس.

 

تنظر أم زكريا إلى زوجها السبعيني الجالس إلى جوارها وتغمزه أن يذكرها ببعض المظاهر التي كانت متواجدة في القرية, فيقول بدوره :" بعض أصدقاء الوالد زاروا حمامة أكثر من ثلاث مرات, وفي كل مرة كانت تختلف عن سابقتها, فكل ملامح البلدة ومعالمها تغيرت واختلفت عما كانت عليه قبل التهجير.

 

المنازل والمساجد تم هدمها, والأراضي والبساتين حرقها اليهود وبنوا عليها الملاهي والحانات, هكذا وصفها أصدقاء والده له, مؤكداً أنه سيرجع يوماً وسيزرع أشجار الليمون والزيتون في بساتين قريته.

 

معالم القرية

 

وعن معالم القرية قبل النكبة, يقول أبو زكريا كانت توجد مدرسة ابتدائية للبنين وأخرى للبنات, إضافة إلى البيوت التي بنيت من الاسمنت والحجارة والبازلت بعكس بعض البيوت التي كانت مبنية من الطين المخلوط بالتبن الخشن.

 

ومن المعالم أيضاً, آبار المياه التي كانت تستخدم للشرب والطبخ والغسيل وري الأشجار, وكانت تعود لعائلة أبو عودة والشيخ عوض, فيما كانت مهمة نقل المياه للبيوت على النساء والفتيات عن طريق جرار الفواخير.

 

وتقع بلدة حمامة قضاء المجدل في الجنوب الغربي من ساحل فلسطين قبل حرب 1948, على بعد كيلو مترين من الشاطئ، وعلى مسافة 3 كيلو مترات شمال مدينة المجدل وعلى بعد 31 كيلومترا من مدينة غزة قريبا من الخط الحديدي والطريق الساحلي.

 

وتبلغ مساحة قرية حمامة ما يزيد عن 41 ألف دونم حتى عام 1948م، وبلغ عدد سكانها الأصليين أكثر من 12 ألف نسمة.

وكان المهجرون من قريتي الجورة حمامة يتجهون إلى البحر لصيد السمك وهي المهنة الوحيدة المتوفرة في ذلك الوقت, فبعد أن كانت لهم الأراضي والبساتين وصيد الأسماك من البحر المجاور للقرى, لم يعودوا يملكون شيئاً.

 

وبحسب المركز الفلسطيني للإحصاء فإن نسبة الفلسطينيين المهجرين عام 1948م, بلغت 66%, وذلك حسب تقديرات الأمم المتحدة عام 1950. 

 

الاسرائيليون قالوا قديماً في حق المهجرين الفلسطينيين إن الكبار يموتون والصغار ينسون, إلا أنهم أثبتوا عبر تتابع الأزمان أنهم لا ينسون إطلاقاً حتى وإن ماتوا على فراشهم, فحكايات القرى ورثوها لأبنائهم وأحفادهم, وذكريات النكبة باقية في قلوبهم.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق