بالقصص والرسم

حكاوي الكبار وأنامل الصغار .. إحياء خاص لذكريات النكبة

حكاوي الكبار وأنامل الصغار .. إحياء خاص لذكريات النكبة
فلسطينيات

 

الاستقلال/ دعاء الحطاب

في ذكرى النكبة يعود الزمن قليلاً إلى الوراء، بمجموعة من الأطفال تجمعوا حول رجلٌ يسمي "الحكواتي" ليأخذهم بأسلوبه الساخر وتمثيلة الشيق إلى عالمٍ لم يروه إلا من خلال صورٍ عابرة، يعيشون فيه مع قصصٍ وحكايات تجسد معاناة أجدادهم الذين هجروا من بلادهم وقراهم رغماً عنهم. الشاعر سليمان عودة، من مخيم الشاطئ في مدينة غزة، والملقب بـ "أبو المظفر"، يتقمص دور الحكواتي منذ سبع سنوات، لسرد أحداث النكبة والتاريخ الفلسطيني لأطفال الحي الذي يقطن فيه وبعض الأحياء الأخرى، بطريقة قصصية بعيدة عن التعقيد، إيماناً منه بأهمية هذا الفن في ترسيخ القضية الفلسطينية في نفوس الأطفال. 

 

وقال أبو المظفر لـ"الاستقلال": " ألتقي بالأطفال في كافة المناسبات الوطنية، في منزلي المتواضع وفي المدارس وفي المساجد، لأقص عليهم حكايات تاريخية واقعية تتعلق بقضيتهم وعلى رأسها حكايات النكبة وحق العودة ووعد بلفور المشؤوم، وغيرها من الأحداث التاريخية الفلسطينية"

 

وأضاف "أن الأطفال دائما ينجذبون إلى الصور والألعاب والحكايات، لذا وجدت أن الحكواتي هو الوسيلة والمدخل الوحيد الذي يمكن أن يجذبهم لمعرفة قضيتهم الفلسطينية، فلو أننا تحدثنا معهم بأسلوب تاريخي لن يصمدوا دقائق في سماعنا"، منوهاً إلى أن مهنة الحكواتي تعود للتراث الفلسطيني واندثرت منذ زمن بعيد.

 

ويعتبر الحكواتي أو الراوي أو القصّاص، عادة شعبية تقليدية، وهو شخص امتهن سرد القصص، في المنازل والمحال والمقاهي والطرقات، وكان يحتشد حوله الناس قديماً، كما أنه كان لا يكتفي بسرد أحداث القصة بتفاعل دائم مع جمهوره، بل يدفعه الحماس لأن يجسد دور الشخصية التي يحكي عنها بالحركة والصوت.

 

ضرورة وطنية

 

وأوضح أبو المظفر،الحاصل على شهادات جامعية بالإخراج المسرحي والصحافة واللغة العربية، أنه لا يكتفي  بسرد  الحكايات أنما يناقش الأطفال بإيجاد حلول للتغلب على الاحتلال الإسرائيلي، ويجعلهم يمثلون مشاهد مسرحية أمام زملائهم بالمدرسة بعد تدريبهم جيداً عليها، وكذلك زراعة الأشجار وكتابة أسماء مدنهم المهجرة عليها، مشيراً إلى أنه من خلال إتقانه فنون الإلقاء والتمثل والشعر، جذب انتباه الأطفال وخطف قلوبهم الصغيرة وعمل على إنعاش ذاكرتهم وتبصيرهم بقضيتهم الفلسطينية.

 

وبين أنه لإبقاء القضية الفلسطينية حيةً عبر الأجيال الفلسطينية، ولضمان انتقال المطالبة بحق العودة من جيل إلى جيل، لابد من ترسيخ القضية في عقول الأطفال وتذكيرهم بالتراث الفلسطيني وأحداث النكبة وشرح المخططات الصهيونية الرامية إلى طمس الحقائق وتضليل العقول، معتبراً  تلك الأساليب ضرورة وطنية لإثبات خطأ المقولة الصهيونية التي أدعت أن "الكبار يموتون والصغار ينسون".

 

وأكد أن الاحتلال الإسرائيلي يخاف من الذاكرة الفلسطينية وأن محوره الأساسي يدور حول تفريغ عقول الفلسطينيين واشغالهم عن قضيتهم من خلال الحصار والأزمات الحياتية واشغال المواطن بلقمة عيشه، معتبراً أن القضية الفلسطينية ستبقي قائمة إذا بقيت الذاكرة، وستموت حينما تنطفئ شعلة الذاكرة. 

 

تجسدها وجوههم

 

وفي مشهد آخر، استطاع الفتي عمر رضوان (17عاماً) أن يجعل من أحاديث أجداده نافذة يطل بها إلى ماضيهم المؤلم ومعاناتهم المريرة التي حلت بهم بنكبة 1948، ليرسم بريشته الصغيرة وحسة المرهف أحداث ووجوهاً تفيض بنظرات البؤس والشقاء والحسرة على ضياع أرضهم وتهجيرهم عنوةً.   

 

حُب رضوان لقريته الأصلية "هربيا" وجميع أنحاء وطنه المٌسلوب، جعله يقضي جل وقته مع كبار السن الذين عاشوا النكبة ليكون على دراية بأدق تفاصيلها ويتمكن من احيائها بلوحاته الفنية.

 

واستغرق رضوان نحو عام ونصف لرسم 20 لوحة فنية تشكيلية باستخدام الفحم النباتي، جسد من خلالها 20 مهنة لمسنين عايشوا تلك الفترة بالإضافة إلى ابراز معاناتهم وحزنهم، وبعض الأحداث المؤلمة التي عايشوها.

 

وقال رضوان لـ"الاستقلال":" لم أت فاجعة النكبة لكني تعمقت في تفاصيلها من خلال الانصات لأحاديث جدي ووالدي وكبار السن، وكنت أِشعر بغصة بقلبي في كل مرة أستمع لهم فكيف لهم أن يتحملوا كل ذلك الألم وكيف لنا أن ننسى معاناتهم وبلادنا، لذا أردت أن أجسد معاناتهم بلوحاتي لعلها تكون وسيلة لتخليد ماضيهم للأجيال الناشئة".

 

وينبع تركيز رضوان علىشريحة كبار السن كالسن في  رسومه انطلاقا من تأثره بهم وإحساسه بعمق حنين هم إلى وطنهم  المسلوب وأملهم بيومٍ يجمعهم به.

 

رمزاً للنكبة

 

وأضاف "جسدت معاناة الفلسطينيين في النكبة، من خلال التركيز على ملامح كبار السن لأنهم رمز للنكبة وهم من عايشوها في طفولتهم وبقيت آلامها تشق طريقها  في  وجوههم" مشيراً إلى أن أحاديثهم عن الأرض والبساتين والبيوت والكروم كانت تشعره بأنه عاش النكبة واقعاً ملموساً معهم.

 

ورأى رضوان، أن اللوحات الفنية باتت مهمة في ترسيخ النكبة الفلسطينية لأن الموت غيب معظم أبناء جيلها، فتنوب تلك اللوحات عن الأجداد في توعية الأحفاد بما تعرض له الفلسطينيون من ظلم وطغيان وتأصيل حقوق شعبنا التاريخية،ومن ثم تعزيز قيم الانتماء والصبر وحب الوطن وحق العودة في قلوب الجميع.

 

ويهدف رضوان، من رسومه إلى  إخبار العالم أن النكبة أصابت الشعب الفلسطيني في العمق وجعلت معاناتهم مستمرة دون توقف، وبدلت فرحهم بهمومٍ ونار تحرق قلوبهم في كل لحظة، وأن أحفادهم لن ينسوا ما عاشه أجدادهم وستبقى بوصلتهم مصوبة نحو تحقيق حق العودة.

 

ويحيي أبناء الشعب الفلسطيني اليوم الذكري الـ69 للنكبة الفلسطينية عام 1948م، والتي تصادف 15 من شهر أيار من كل عام، ليثبتوا للعالم أجمع أن تفاصيلها مازالت حاضره في الذاكرة الفلسطينية ومازالت تنبض بالحياة و أنهم يتوقون  ليوماً يجمعهم بوطنهم المسلوب.

التعليقات : 0

إضافة تعليق