الشهيد حمزة زماعرة.. حكاية وداع مختلف!!

الشهيد حمزة زماعرة.. حكاية وداع مختلف!!
مقاومة

غزة/ دعاء الحطاب:

بخطواتٍ مثقلة بالآلام وقلبٍ يخفق خوفاً من لحظه الوداع، دخلت والدة الشهيد حمزة زماعرة الى غرفة  ثلاجة الموتى في مستشفى الأهلي بمدينة الخليل، فكان فلذة كبدها ممدداً بالثلاجة ووجهه مغطي، تقدمت نحوه ببطء وكشفت الغطاء نظرت الى وجهه البريء، ثم حضنته بقوة وبكت بحرقة، تركها من حولها للحظات، لكنها لم تترك ذاك الجسد الصغير البارد، فنزعوه من بين يديها واصطحبوها معهم خارجاً ولسان حالها يردد « طلبت الشهادة ونلتها يما».

 

عشرة أيام مضت على استشهاد حمزة، وعيون أمه ترنو شوقاً لرؤيته للمرة الأخيرة بعدما احتجز الاحتلال الإسرائيلي جثمانه الطاهر، فبات حلم رؤيته  ووداعه حقيقة مُره كالعلقم مثل يوم رحيله، لكن هذا الألم العميق الذي استوطن قلبها قد زال بمجر زفه الى مثواه الأخير.

 

واستشهد الشاب حمزة زماعرة (17عاما) في السابع من فبراير الحالي، بعد اطلاق قوات الاحتلال الإسرائيلي النار عليه بزعم تنفيذ عملية طعن بالقرب من مستوطنة "كرمي تسور" شمال مدينة الخليل، واحتجز جثمانه على اثرها.

 

وسلمت قوات الاحتلال جثمان الشهيد زماعرة مساء الجمعة الماضية قرب مقر "الارتباط العسكري الاسرائيلي" بمنطقة جبل منوح جنوب الخليل بعد احتجازه لمدة 10 أيام، وتم نقله إلى المستشفى الأهلي، لإجراء المعاينة الطبية الشرعية على الجثمان، وتوثيق جريمة الاحتلال.

 

صدمة اللقاء

 

والدة الشهيد زماعرة، لم تتمالك نفسها حينما اتصل الرباط الفلسطيني وأخبرهم بالمجيء لاستلام جثمان نجلها، فقد اختلطت المشاعر وباتت الكلمات عاجزة أمام وصف تلك اللحظة، فتقول: "حينما أخبروني بالإفراج عن جثمان حمزة شعرت وكأن الحياة عادت لي، لكن لم أستطع إدراك مشاعري فقد اختلطت بين الفرح والألم، والشوق والخوف من اللقاء".

 

دقيقتان فقط استغرقتهما الوالدة في تجهيز نفسها للذهاب لاستلام جثمان فلذة كبدها، رغم محاولة الجميع إبقاءها بالمنزل، إلا انها أصرت ان تكون أول من تكحل عينها برؤيته بعد فراقٍ دام عشرة أيام، وهناك كانت الصدمة أقوى منها حينما رأته على الأرض كقالب ثلج ممد مٌحاط بجنود الاحتلال الإسرائيلي.

 

وأردفت الأم المكلومة خلال حديثها لـ"الاستقلال":" لحظة استلام جثمانه كانت أصعب لحظه بحياتي، ما تحملت أشوفه متجمداً والثلج يذوب عنه بعد ما كنت دايما أشعر بدفئه، فأرجعوني على المنزل بالقوة، لكن ما قدروا يمسحون من ذاكرتي صورته وهو على الأرض".

 

وتتابع بدموع تملأ عينيها:" حاولت أمنع حالي من رؤيته لكن ما قدرت، رجعت عنده على المستشفى وكان اللقاء أكثر صعوبة، كان حمزة ملفوفاً بالكفن نائماً ومبتسماً زي لما بنام عندي بالبيت لكن جسمه بارد كتير، حرقوا قلبي عليه". متسائلة: " أي قانون وأي شريعة تسمح باحتجاز الميت وتجميده وتعذيبه بشكل وحشي؟"  

 

وأضافت والألم يعتصر قلبها: "صعب كتير على الام تدفن ابنها تحت التراب وتفارقه طول حياة، لكنه أهون من ابقائه بيد جيش لا يرحم ولا يعرف طريقاً للإنسانية، فطوال فترة احتجازه كنت أموت ألف مرة باليوم خوفاً من التمثيل بجثمانه وتعذيبه وهو ميت".

 

واستذكرت الوالدة معاناة الشهيد خلف قضبان السجون الإسرائيلية حينما كان طفلاً لا يتجاوز الـ" 14عام"، قائلة:" قبل ثلاث سنوات كان حمزة عائداً من مدرسته بالتزامن مع اقتحام جنود الاحتلال للبلدة، فأصيب برصاصه بالقرب من العمود الفقري وتم اعتقاله لمدة سنة وشهرين بدون أي ذنب، ذاق كل أنواع التعذيب وعمره لا يتجاوز الـ( 14عاماً)".

 

موعد مع الشهادة

 

في الليلة السابعة من الشهر الجاري، ألح الشهيد كثيراً على والديه كي يسمحا له بالنوم بجوارهما، حتى أثلجا صدرة بالموافقة فقفز فرحاً يُحضر فراشة، فحين علت علامات الحيرة والتعجب على ملامح والدية لم يكونا يعلمان أن هذه الليلة ستكون وداعاً لطيفاً يدوم معهما مدى الحياة.

 

وتروي الوالدة المغلوبة على أمرها:" حمزة قبل استشهاده بأسبوع كان يطلب كتير انه ينام بغرفتي أنا ووالدة، استغربنا من طلبه ولما لاقيناه مصمم نيمناه عنا بأخر ليلة، قرأ لنا سورة البقرة وقبلنا ونام مبسوط ،ما كنا ملاحظين أنه بودعنا".

 

وتكمل حديثها ":" الساعة 4الفجر صحيت عليه كان بصلي قيام الليل، وبعدها طلع من الغرفة سالته وين قال بدي أتجهز لصلاة الفجر، بعد دقائق اسمعنا صوت السيارة مشيت اطلعنا نجري أنا ووالدة لاقيناه راح وقتها أجانا شعور انه طلع يعمل شيء".

 

مرت الدقائق ببطء شديد، والخوق والقلق يجتاح قلب الوالدين وعيونهما مُدققه بشاشة التلفاز، حتى انبثق أسفل الشاشة ذلك الشريط الأحمر" عاجل: استشهاد الشاب حمزة زماعرة برصاص قوات الاحتلال بعد تنفيذ عملية طعن في الخليل"، انقبض قلب الوالدة ودمعت عينها والوالد أخذ يقلب القنوات الإخبارية لعل إحداهما تكذب الخبر، إلا أن تضارب الاخبار زاد حيرتهم فثمة من يقول شهيد وثمة من يقول جريح.

 

وتتابع: " خبر استشهاده كان زي السيف على قلبي، كنت بطلع على الباب بستني يدق ويفوت حمزه مثل عادته، لكن بتلك اللحظة دقوا الجنود الباب وبلغونا باستشهاده واعتقلوا ابوه وأخوه".

 

وأوضحت أم الشهيد:" في البداية ما تقبلت خبر استشهاد حمزه وتعبت كتير، لكن بعد ما قرأت وصيته وكلماته عن الشهادة على مذكرات الجوال وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تقبلت فراقة وحكيت حمزة فداء للوطن وتمنى الشهادة ونالها".

 

" صوب سلاحك نحو رؤوسنا فان اهتزت اقدامنا عارٌ علينا ان نكون رجالا"، أخر ما نشره الشهيد على صفحته الشخصية في الفيسبوك، مودعاً بها رفاقه وأحباءه الى جنات الخلود.

 

وشيعت جماهير غفيرة في بلدة حلحول، شمال الخليل، السبت الماضي، جثمان الشهيد حمزة زماعرة، وسط صيحات التكبير والتهليل والزغاريد، وعلت رصاصات الرجال في السماء تعبيراً عن الغضب، فيما عم الإضراب الشامل البلدة حداداً على روحه الطاهرة بدعوة من القوى الوطنية والإسلامية.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق