التحليل السياسي - عامر خليل:
خطاب رئيس السلطة الفلسطينية امام مجلس الامن الدولي يضاف الى خطابات اخرى كثيرة تحدث بها امام اكثر من محفل دولي، لكنها لم تثمر موقفا يغير المعادلة السياسية باي حال ويلقي بظلاله بنتائج عملية تنتصر للشعب الفلسطيني وقضيته وتتحول الى قرارات تنهي الاحتلال والتغول الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وبالتالي فإن التحرك السياسي الفلسطيني من المفترض أن يتجه الى بدائل اخرى ذات جدوى وتحقق نتائج ملموسة فالحقائق باتت معروفة للعالم عن طبيعة المواقف الاسرائيلية في ابقاء الاحتلال والاستيطان وفرض نظام فصل عنصري على الارض وحشر الشعب الفلسطيني في كانتونات معزولة، ومؤخرا اخذ مصطلح الضم يسود في الخطاب السياسي الاسرائيلي بفرض ما يسمى السيادة الاسرائيلية على مساحات واسعة من الضفة المحتلة بعد تشريع قانون القدس المحتلة في الكنيست بما يعني ضم الجزء الشرقي منها لدولة الاحتلال.
ربما تكون المعطيات السياسية الاقليمية والدولية مختلفة في ظل ادارة امريكية باتت اكثر قربا وتبنيا للموقف الاسرائيلي وموقف عربي مهادن ومقبل على التطبيع العلني والسري مع دولة الاحتلال وضاغط للقبول بالاملاءات الامريكية الاسرائيلية لكن المعطيات السابقة حتى في ظل مواقف عربية ودولية لم تنتج ايضا تغييرا في السلوك الدولي يضع الفلسطينيين على بداية التحرر والانعتاق من الاحتلال وفي أي حال فان الحقيقة تقول ان مفاتيح المنطقة هي بيد الشعب الفلسطيني ولا يمكن لواشنطن او تل ابيب ان تمرر ما تريد في ظل رفض التعاطي مع الحلول التصفوية المطروحة.
الأهم في خطاب ابومازن تأكيده على رفض الخطط التي يجري التسويق لها في الكواليس لتصفية القضية الفلسطينية ضمن حلول مجتزأة بقوله: " بلاش نلعب على بعض، نعلم أن الحدود الموقتة ستصبح دائمة" مشيرا الى ان ما يدور في الكواليس من حلول جزئية ودولة ذات حدود موقتة، وهو يلمز الى ما يسمى "صفقة القرن" التي يسوقها ترامب بالتنسيق مع نتنياهو امام الزعماء العرب باقامة دولة مؤقتة في نسبة 40% من مساحة الضفة المحتلة وقطاع غزة والتفاوض على النسبة الباقية مع شطب القدس واللاجئين، ورغم هذا الموقف فان ابو مازن لا زال متمسكا بخيار التفاوض ويتحدث عن آلية دولية متعددة الاطراف لرعايتها فيما يبرز السؤال الاكبر ما جدوى المفاوضات في وقت تقوم حكومة نتنياهو بشكل متتابع بتشريع قوانين الضم والتوسع وتصادر مزيد الاراضي لبناء مزيد من المستوطنات وقد تحدث وزير الداخلية الاسرائيلي اريه درعي عن مخطط لإنشاء مستوطنتين جديدين على اراضي مدينة قلقيلية المصادرة؟!
لن يكون أي مغزي لموقف ابو مازن ما لم يترافق مع خطوات عملية في منحى جديد يخلق واقعا يجعل مصالح الولايات المتحدة والكيان الاسرائيلي يتهددها الخطر فكيف يمكن تفسير استمرار العلاقة مع الاخير وعقد لقاءات مع اعضاء في الحكومة الاسرائيلية والابقاء على التنسيق الامني والتعامل الصامت للسلطة مع الاقتحامات والاعتداءات التي يقوم بها جيش الاحتلال والمستوطنون بشكل يومي ضد القرى والبلدات الفلسطينية فيما تتولى ادارة دولة الاحتلال المدنية عمليا دور السلطة وتقوم بالاتصال المباشر بالفلسطينيين واستغلال حاجاتهم الحياتية نتيجة لتحكمها في المعابر لإظهار نفسها كمن يحرص على معاناة الناس بل ان اللقاءات التي تمت مع وزير المالية الاسرائيلي موشيه كحلون وبولي مردخاي منسق الادارة المدنية وتناولت مواضيع اقتصادية تعطي ايحاء بأن ما يسمى بالسلام الاقتصادي يجري تطبيقه على ارض الواقع.
ستبقى خطابات ابومازن دون تأثير ما لم تبادر السلطة الفلسطينية الى كسر المعادلة السياسية القائمة اليوم بنهج اخر عنوانه انتهاء دور السلطة التي يقول عنها ابو مازن انها باتت سلطة بلا سلطة وقول دكتور صائب عريقات ان مردخاي رئيس الادارة المدنية هو رئيس الوزراء الفلسطيني وهذا النهج يعني مفردات عدة على رأسها ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي ولا حاجة هنا لتكرير المكرر فالعناوين واضحة ومعروفة في اعادة بناء منظمة التحرير وافراز المؤسسات المنبثقة عنها بمشاركة الجهاد الاسلامي وحماس وانهاء موضوع المصالحة بشكل جاد.... ودون ذلك فان السلطة الفلسطينية ستبقى ضعيفة الموقف والتحرك لان الرهان الاسرائيلي المريح هو المحافظة على الحالة الفلسطينية القائمة التي تعتبر مصلحة اسرائيلية استراتيجية.
واضح ان خطة ابو مازن بعرض عقد مؤتمر دولي بمشاركة اطراف دولية منتصف العام الحالي لن تخرج الى حيز الوجود سواء نتيجة الرفض الاسرائيلي او الامريكي وما اعلنته الخارجية الامريكية من استعداد لدراسة مشاركة اطراف اخرى في رعاية المفاوضات قد ينتج اطارا جديدا على شاكلة الرباعية الدولية التي تشكلت عام 2003 ولم تقم باي دور فاعل وبقيت واشنطن هي المتحكم في عملية التفاوض ... والسؤال الذي يطرح نفسه هل يشكل الاعلان الامريكي مصيدة عسل للسلطة لإعادتها الى مربع الدائرة المفرغة للمفاوضات والبدء العملي بتطبيق ما تفرضه الولايات المتحدة من املاءات؟.


التعليقات : 0