ياسمين مسودة
أن تكون مقدسيًا يعني أن ترث جنسية أردنية من والديك بجواز سفر (بطاقة خضراء) بأحسن الأحوال، فالمقدسي ليس فلسطينيًا حسب التقسيم القانوني للمدينة، وليس مواطنًا «إسرائيليًا»، هو بكل بساطة مقيم دائم بدون هوية، أو جنسية، قابل وضعه للتغيير في أي لحظة إذا ما أعيد ترسيم حدود بلدية القدس لتضم مزيدًا من وحدات الاستيطان، وتقلص الوجود العربي باستثناء الأحياء العربية مثل كفر عقب ومخيم شعفاط من مخططاتها.
سحب الإقامات خطوة جديدة في تفريغ القدس من محتواها العربي.
صادقت اللجنة الوزارية للتشريع الإسرائيلي على مشروع قانون يقضي بسحب الإقامة الدائمة لسكان القدس المحتلة والجولان السوري المحتل، وذلك في حالة تم إدانة المقيم بأعمال تخرق الولاء لدولة «إسرائيل». وينصّ مشروع القانون، على منح الصلاحيات لوزارة الداخلية والسلطات الإسرائيلية بإمكانية طرد كل من يتم سحب الإقامة منه إلى خارج هذه المناطق. ويأتي مشروع القانون بمبادرة وزير الداخلية في إسرائيل أريية درعي، ويحظى بدعم وزراء الائتلاف الحكومي برئاسة بنيامين نتنياهو، وينسجم مع مشروع قانون قدمه عضو الكنيست أمير أوحانا.
جاء تشريع مشروع القانون عقب قرار المحكمة العليا في شهر أيلول الماضي، والذي قضى بإلغاء قرار وزارة الداخلية الصادر قبل 10 أعوام بسحب الإقامة لأربعة فلسطينيين مقيمين في القدس، وهم خالد أبو عرفة، محمد أبو طير، محمد عمران وأحمد عطون، حيث شكلوا قائمة انتخابية باسم «الإصلاح والتغيير» وخاضوا الانتخابات البرلمانية الفلسطينية بدعم من حركة حماس.
سوغت المحكمة العليا قرارها بأن وزير الداخلية تصرف دون صلاحيات، إذ رأى القضاة تأجيل قرار سحب الإقامات من المقدسيين الأربعة لحين السماح للكنيست للمصادقة على قانون يسمح للمحكمة بإلغاء إقامتهم.
وينصّ مشروع القانون المطروح على السماح لوزير الداخلية بسحب الإقامة الدائمة من أي مقيم في دولة «إسرائيل» وفقًا لثلاثة معايير، أحدها إذا ثبت أنّ مقدم طلب الإقامة قد قدم وثائق مزورة لوزارة الداخلية للحصول على الإقامة، أو إذا ارتكب المقيم أعمالاً تشكل خطورة على سلامة الجمهور وأمنه، أو إذا مسّ المقييم بالأمن الإسرائيلي. وبموجب مشروع القانون، فإنه سيطبق على كل المهاجرين الذين وصلوا «أرض إسرائيل»، وكذلك على سكان القدس المحتلة والجولان السوري المحتل.
ووفقًا لصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، فإن مشروع القانون الذي يحظى بدعم الحكومة الإسرائيلية، سيسمح لسلطات الاحتلال الإسرائيلي بسحب الإقامة الدائمة من الفلسطينيين الذين يسكنون في القدس، بالإضافة الى سكان هضبة الجولان، «إذا ثبت تورطهم في أعمال معادية لإسرائيل، أو مسوا بأمنها أو أدينوا في خيانة الأمانة».
ذكرت سبع مؤسسات حقوقية فلسطينية الطرق والآليات والأساليب التي تعتمدها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتهجير المقدسيين، حيث رصدت ثلاث مراحل تشمل سن قوانين وتبني سياسات عنصرية تمثل تطوّر سياسة الاحتلال الإسرائيلي في سحب إقامة الفلسطينيين في شرقي القدس المحتلة بهدف تقليص وجودهم.
في ضوء ذلك أصبح دخول المدينة والسكن فيها امتيازًا قابلاً للسحب، بدلاً من كونه حقًا أساسيًا متأصلاً، فمن خلال منح الإقامة الدائمة للفلسطينيين في القدس استنادا إلى قانون الدخول إلى إٍسرائيل الذي يقضي بسحب بطاقة الإقامة المقدسية لكل مقدسي ينقل مكان سكنه خارج حدود بلدية القدس لمدة سبع سنوات، أو كما تعيد بلدية الاحتلال ترسيم حدود القدس باستمرار، كذلك من يقوم بأي أفعال عدائية تجاه إسرائيل أو تمس أمن إسرائيل فيتم معاقبة كل العائلة بسحب الإقامة منها وهذا ما يُعرف ببند خرق الولاء.
وقد كشفت المؤسسات الحقوقية المقدسية عن وجود سياسات غير شرعية في إلغاء الإقامات تستهدف الفلسطينيين في القدس، مؤكدة أن إلغاء الإقامات الدائمة هو من أكثر الوسائل المباشرة التي تستخدمها «إسرائيل» لتهجير الفلسطينيين قسريًا من شرقي القدس، وذلك ليتسنى لها الحفاظ على أغلبية يهودية إسرائيلية في المدينة.
منذ سنة 1967 تم إلغاء حقوق الإقامة لحوالي 14.200 شخصًا من حاملي بطاقات الإقامة الدائمة في شرق القدس المحتلة. ويُزعم أن هؤلاء المقيمين، في معظمهم، لم يعودوا يستوفون متطلبات «قانون الدخول إلى إسرائيل» الذي اعتُمد في سنة 1995 ، والذي ينص على أنه «يتعين على حاملي بطاقات الإقامة الدائمة أن يثبتوا دوريًا أنهم يقيمون ضمن حدود بلدية القدس، وأن يقدّموا الأوراق الثبوتية التي تؤكد ذلك».
تطورت سياسة إلغاء الإقامات المقدسية خلال ثلاث مراحل رئيسة هي:
المرحلة الأولى: 1967-1995: يخسر الفلسطيني الإقامة الدائمة في القدس نتيجة إقامته خارج إسرائيل شرقي القدس لمدة سبع سنوات، أو نتيجة حصوله على إقامة أو جنسية دولة أخرى.
المرحلة الثانية: 1995-2006: تم توسيع المعيار السابق ليشمل تغيير «مركز الحياة» خارج «إسرائيل» أو شرقي القدس، حتى لو أقام الفلسطيني في الخارج لمدة تقل عن السبع سنوات ولم يحصل على إقامة أو جنسية دولة أجنبية أخرى.
وإذا أقام الفلسطيني في الضفة الغربية بما لا يشمل القدس وقطاع غزة، تعتبر إسرائيل أنه «أقام في الخارج»، وقد تلغى إقامته الدائمة في القدس نتيجة لذلك، ومنذ بدء تطبيق هذه السياسة عام 1995، ألغت «إسرائيل» أكثر من 11.500 إقامة لأشخاص في القدس.
المرحلة الثالثة: 2006-حتى الآن: إضافة إلى معيار «مركز الحياة»، أصبح بإمكان وزير الداخلية الإسرائيلي إلغاء الإقامات لفلسطينيي القدس على أسس عقابية بناءً على معيار «خرق الولاء». وبتنفيذ هذا المعيار، أصبح الفلسطينيون الذين لم يتركوا القدس يومًا معرضين أيضًا لخطر إلغاء الإقامات.
تنتهك سياسة إلغاء الإقامات -بما يشمل أيضًا إلغاء الإقامات العقابي- بشكل جسيم قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بينما يؤدي إلغاء الإقامات إلى تهجير الفلسطينيين قسريًا من القدس، وهو ما يعتبر جريمة حرب بموجب اتفاقية روما الناظمة للمحكمة الجنائية الدولية، وانتهاكاً جسيماً لاتفاقية جنيف الرابعة. كما أن سياسة إلغاء الإقامات جزء من سياسة شمولية ممنهجة تهدف إلى تهجير السكان الفلسطينيين المحميين بموجب القانون الدولي، قد تتطور إلى جريمة ضد الإنسانية.


التعليقات : 0