الاستقلال/ دعاء الحطاب
لم يكن يعلم الصياد محمد بكر ( 28عاماً)، الذي خرج يدافع الأمواج بحثاً عن لقمة عيش يسد بها رمق طفلتيه الصغيرتين في ظل قسوة الحياة التي يعيشها وأمثاله من أبناء قطاع غزة المحاصرة، أنه على موعد مع الشهادة في عرض البحر بنيران بحرية الاحتلال التي تتربص بصيادي غزة على مدار الساعة.
واستشهد الصياد "بكر" من مدينة غزة، عصر يوم الاثنين الماضي متأثراً بإصابته الخطيرة جراء نيران الزوارق الحربية الإسرائيلية قبال شواطئ منطقة السودانية شمال غزة.
واستشهد الصياد "بكر" من مدينة غزة، عصر يوم الاثنين الماضي متأثراً بإصابته الخطيرة جراء نيران الزوارق الحربية الإسرائيلية قبال شواطئ منطقة السودانية شمال غزة.
لقمة مغمسة بالدماء
كمن يربت على كتف عزيز له، هكذا مسح عم الشهيد محمد على تراب ابن أخيه بعد أن سقاه من ماء غزة التي ترعرع فيها ثمانية وعشرين عاماً، إلى أن غادر الجميع المقبرة وبقي هو يستذكر آخر بسمات أشرقت على وجه محمد الشهيد، كيف ينسي وهو من رافقه كظله في عمله وبيته منذ طفولته إلى أن شب وكبر أمام عينيه.
زكريا بكر، عم الشهيد محمد، يقول والألم يعتصر قلبه: «في الساعة الخامسة فجراً خرج محمد كعادته كل صباح برفقة شقيقيه وابن عمه على متن قارب صغير في منطقة السودانية، للصيد في عرض البحر، وتوفير قوت يومهم، فهي مصدر رزقهم الوحيد ولا سبيل لهم سواه مهما كانت الظروف فلقمة العيش مرة».
تفاصيل الاستشهاد
ويروي بكر تفاصيل استشهاد ابن أخيه قائلاً: "بعد ساعتين من الصيد، فوجئوا بقدوم زورق مطاطي وآخر حربي "دبور" يتبعان للبحرية الإسرائيلية قاما بإطلاق الأعيرة النارية بكثافة تجاههم، فما كان منهم إلا أن سحبوا شباكهم للعودة باتجاه الشاطئ ".
ويتابع "أثناء العودة إلى الشاطئ استمر الزوق الحربي " الدبور" بملاحقتهم وهو يطلق الأعيرة النارية من بُعد مترين بشكل مباشر تجاههم خاصة على المحرك، وفي تلك اللحظة كان محمد بمؤخرة القارب فأصيب بعيار ناري اخترق ظهره وخرج من جهة القلب".
وأضاف" عند سقوط محمد مصاباً سكن كل شيء للحظات في مشهدٍ يدمي القلوب، حتى أفاقتهم الأعيرة النارية من جديد وصيحات شقيقه تعالوا " قتلوا محمد قتلوا محمد".
واستكمل بكر حديثه:" اثناء انشغال الإخوة بالمناشدة وطلب المساعدة من قوارب أخرى كانت في المنطقة، توجه زورق الاحتلال بشكل مفاجئ نحوهم واختطفوا محمد وتوجهوا به إلى المشافي الإسرائيلية ليتم معالجته هناك، وتركوا الباقين بقاربهم المعطل إلى أن استغاثوا بقارب كان جوارهم وتم سحب قاربهم إلى ميناء غزة".
الوداع الأخير
ويروي بكر صدمة تلقيهم خبر الاستشهاد قائلاً: "عصر يوم الاثنين الماضي جاءنا اتصال من الارتباط الفلسطيني يخبرنا باستشهاد محمد ويدعو والده لاستلام جثمانه من المستشفى الإسرائيلي، فكان خبره كالصاعقة على قلوبنا جميعاً".
قلب الأب الذي فُطر على حب ابنه لم يستطع الوقوف جانباً حينما أراد الأطباء تشريح جثمانه الطاهر، فألقى نفسه فوق فلذة كبده والدموع تنهمر من عينيه ويصرخ بكلمات "مش ممكن تشرحوا جثته، شرحوني أول بعدين شرحوه"، حتى عاد بولده محمولاً على نعشه في مساء اليوم ذاته.
ويضيف بكر، والحزن يرتسم على ملامح وجهه:" بمجرد وصول الشهيد تجمع العشرات من أقربائه وأحبابه أمام منزله، وحناجرهم تهتف بالروح بالدم نفديك يا شهيد، أما والدته ونساء عائلته فلم تتوقف عيونهن عن ذرف الدموع ولسان حالهن يتحدث عما في داخلهن من ألم وحزن".
وفي صباح اليوم التالي انطلق موكب التشييع من مستشفى الشفاء بمدينة غزة، باتجاه بيت الشهيد في مخيم الشاطئ، لإلقاء نظرة الوداع على جثمانه، قبل تأدية صلاة الجنازة عليه في مسجد أبو حصيرة، وقبل أن يوارى الثرى في مقبرة عائلة بكر غرب المدينة، وردد المشيعون هتافات تندد بجريمة الاحتلال الإسرائيلي، والانتهاكات المستمرة بحق أبناء شعبنا.
قتل متعمد
واعتبر بكر، أن قتل محمد لم يكن صدفة إنما كان جريمة قتل متعمدة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، التي لا تحتاج أي مبرر لارتكاب الجرائم وتسعى دائما إلى سفك دماء أبناء الشعب الفلسطيني بكافة الطرق، موضحاً أن الشهيد محمد وإخوانه كانوا على بعد ميل واحد داخل البحر وتعد هذه المنطقة أكثر منطقة آمنة كما صنفها الاحتلال.
وأوضح، أن قوات الاحتلال البحرية كانت لديها نية مبيتة لقتل الصيادين خاصة أن بوارجهم كانت تطلق الرصاص الثقيل بشكل عنيف باتجاههم، قبل استشهاد محمد بليلة، وصادروا قاربين واعتقلوا ستة صيادين، علاوة على تخريب وسرقة ما يقارب 60 شبكة من شباك الصيادين.
ويضطر المئات من صيادي القطاع يومياً إلى المخاطرة بحياتهم والإبحار للصيد رغم تهديد الزوارق الحربية الإسرائيلية التي تطلق نيرانها عليهم بشكل عشوائي ودون سابق إنذار.


التعليقات : 0