التحليل السياسي: عامر خليل
لا يمكن فصل ذكرى النكبة وهي تدخل عامها السبعين دون ربطها بالمعطيات السياسية في المشهد الفلسطيني والعربي والدولي آنذاك اذ لم تكن الجرائم لتتم دون الغطاء الذي وفرته اكثر من جهة دولية للعصابات الصهيونية او حالة الانكفاء العربي عن النصرة الحقيقية للشعب الفلسطيني وتردى الوضع الفلسطيني الداخلي ونزاعات الاحزاب ورهاناتها على الموقف البريطاني الذي اعتقدت انه سيقف الى جانب الحق الفلسطيني، واليوم اذا اردنا أن نمحو اثار النكبة وننجز حق العودة فلا يمكن ذلك دون فهم تلك المعطيات التي تشير الى ان امكانية ذلك ضعيفة فنفس المشهد الذي ولد النكبة ما زال ماثلا بل ازداد سوءا فالكيان الذي نشأ على انقاض النكبة توسع وازداد قوة وتبجحا واذ كان هناك تقصير عربي تجاه الشعب الفلسطيني فاليوم نشهد تطبيعا علنيا وسريا او ما يشبه التحالف معه فيما الواقع الفلسطيني دخل منذ عشرة سنوات في حالة انقسام رأسي وافقي لا تتوفر مؤشرات على نهاية قريبة له.
المصارحة مطلوبة في عملية مراجعة النكبة والاسباب التي ادت اليها وخيارات الخروج منها بانتزاع الحقوق الفلسطينية عبر انجاز حق العودة واستعادة الارض ويجب الا نخدع انفسنا ان ذلك ممكن في المدى القريب او المتوسط لكن الحقيقة الساطعة ان اعوام النكبة الطويلة لم تؤد الى تصدع ارادة الفلسطينيين وتمسكهم بحقوقهم فالنكبة بكل معالمها المأساوية باتت ثقافة تنتقل من جيل الى جيل فمن ولد قبل النكبة او بعدها او قبل سنوات قليلة يجتمعون على تمسكهم بالعودة وان لم يكن ذلك متاحا في الوقت الراهن، فالطفل والفتى والشاب والعجوز جميعهم يحفظون اسماء قراهم وبلداتهم الاصلية وقد وفرت التكنولوجيا الحديثة مساحة اوسع للتأكيد على ذلك فيمكن عبر خدمة خرائط "غوغل" الانتقال الى أي مكان في فلسطين وتحديد مكان القرية والبيوت والاراضي التي يمتلكها أي فرد من عائلة مهجرة، بل اكثر من ذلك فقد صدرت العديد من الكتب التي توثق كل ما حدث في النكبة باسماء القرى والعائلات وممتلكاتهم وكتاب "اطلس فلسطين" هو اهمها، واحياء العائلات المهجرة للنكبة في نشاطات عامة يؤكد على ذلك ايضا بجانب الروابط والجمعيات التي تحمل اسم القرى والبلدات والمدن التي هجر اهلها منها.
في هذا السياق اذكر ما حدث معي يوما واحدا قبل ذكرى النكبة الـ 69 عندما كنت في السوق فدخلت على احد المحلات لرجل لا اعرفه يبدو في الخمسينات من عمره أي ولد بعد النكبة فبمجرد ان جاء اسم النكبة قص علي ما حدث معه عندما كان يعمل في الداخل المحتل وهو من قرية يبنه حيث وصل الى المكان الذي ولد فيه أبوه وارضهم البالغة 28 دونما وقد وجهه والده الى الارض من خلال الوصف حتى وصل اليها وتصادف انه يعمل مع المقاول في نفس المكان وقال لمن يعمل له إنه سيقوم بتقوية البناء في المكان لانها ارض ابية وسيعودون اليها وكان طرد من المكان نتيجة لذلك، ويمكن ان نستطرد في ذلك لكن لا احد ينسى، ويؤكد ذلك على خطأ التفكير الصهيوني بان الكبار يموتون والصغار ينسون، فما حدث هو الكبار يورثون للصغار معالم قراهم وبيوتهم التي طردتهم منها العصابات الصهيونية، ووالد ذلك الرجل وصف لابيه المقبرة والمسجد الموجودين بقرب ارضهم وهي لازالت في مكانها حتى الان.
صحيح ان الكيان الاسرائيلي يزداد قوة وتمكينا في فلسطين المحتلة وهناك اقبال عربي على التعامل معه الا العامل الديمغرافي يبقى محددا اساسيا في الصراع معه وهو الذي سيحسمه مستقبلا فمرحلة النكبة التي انتهت بتهجير 70% من الشعب الفلسطيني نتج عنها كيان نسبة الفلسطينيين فيه لم تتجاوز 12% حيث بلغ عددهم 156 الفا لكنهم الان يشكلون نسبة 20% وعددهم يقترب من مليون ونصف وهذا المعطى يشكل قلقا مستمرا لدولة الاحتلال التي حاولت على امتداد سنوات النكبة ان تتخلص منه عبر الدمج او ما يسمى بالاسرلة لكنها لم تنجح في ذلك فالمليون ونصف يؤكدون رغم انهم يحملون بطاقة الهوية الاسرائيلية على انتمائهم الفلسطيني ومسيرات العودة واحياء ذكرى النكبة وتوجههم الى قراهم التي يسكنون على بعد كيلومترات قليلة منها يدعم ذلك، وهنا يمكن فهم حالة الهوس الاسرائيلي بالقوانين التي لا تتوقف ضد فلسطيني 48 لمنع أي مظهر وطني يعبرون من خلاله عن انتمائهم وقويتهم العربية الفلسطينية وقد استهدفهم خلال عامين 36 قانون صادقت الكنيست عليها.
العامل الديمغرافي يلعب دورا اساسيا في تغيير شكل الصراع ومستقبله ففلسطين التاريخية اليوم تضم كتلة سكانية فلسطينية تتجاوز عدد السكان اليهود وبعد عشرين عاما فان النسبة ستصبح 60% الى 40% أي ان الاغلبية ستكون للفلسطينيين وهذا يعني ان الاستيطان والتهويد والقتل والاعتقالات وكل إجراءات الاحتلال العدوانية لم تستطع ان تحسم الصراع او ترسخ آثار النكبة كنتيجة نهائية غير قابلة للتغيير ، وهذا يؤكد أنه مهما طال الزمن فلن يستسلم الفلسطينيون لنتائج النكبة وحق العودة لا يسقط بالتقادم وهاجس الخوف من المستقبل والحديث المتكرر عن التهديدات المستقبلية من جانب دولة الاحتلال يشير بوضوح ان الاسرئيليين لن يستقر لهم الوضع في فلسطين وشبح الفلسطيني سيبقى يلاحقهم بكل الوسائل المتاحة والممكنة ويذكرهم ان الفلسطيني لا ينسى والنكبة ليست قدرا لا يمكن تغييره فالذاكرة والقدرة على البقاء ومقاومة الاحتلال والتمسك بالحقوق تعني ان لا مستقبل للاحتلال في بلادنا.


التعليقات : 0