ياسمين مسودة – القدس المحتلة
حتى عام 1967 كانت كفر عقب حياً فلسطينيًا راقيًا، منذ ذلك الحين ازداد عدد السّكان بشكل كبير، فارتفع مما يقارب 10 آلاف نسمة، إلى 60 ألف نسمة وحاليًا يقطنها حوالي 100 ألف نسمة بحسب تصريح بلديتها. إلى جانب هذا الانفجار السّكانيّ، فإن أراضي القرية آخذة في التناقص المستمر بسبب سياسة المصادرة الإسرائيلية إذ بلغت مساحة الأراضي المصادرة في كفر عقب حتى عام 2015 حوالي 1710 دونمات.
تبلغ مساحة كفر عقب حسب ما سجلت بلديتها نحو (5472) دونمًا، تقع كفر عقب على بعد 13 كم من مدينة القدس وعلى بعد 4 كم من مدينة رام الله ، وتقسم المنطقة على اعتبار أنها منطقة تابعة للقدس معترف بها من قبل حكومة الاحتلال بعد المخطط الذي أنشأه رئيس بلدية الاحتلال السابق إيهود أولمرت والذي يسعى لتفريغ مدينة القدس من سكانها إلى الأطراف، بعمل ثلاثة مناطق رئيسية مقدسية داخل جدار الفصل العنصري.
منذ احتلال ما تبقى من مدينة القدس عام 1967 أقامت دولة الاحتلال منطقة صناعية، وضمّت مساحات من الأراضي لنفوذ بلدية الاحتلال، وأنشأت شارع القدس – رام الله ، وطوّرت المطار في منطقة القرية. عقب خطوة إسرائيل غير القانونية والأحادية بضم شرق القدس سنة 1967 ، توسّعت حدود المدينة ثلاثة أضعاف عمّا كانت عليه، وباتت تضم أراضي 28 قرية محتلة حديثًا ومحيطة بها.
إنّ بسط الهيمنة البلدية والإدارية على جميع الأراضي الجديدة التي ضُمّت حديثاً إلى القدس، والتي تم تقنينها من خلال تعديل إسرائيل لـ « قوانين الدولة» و»قانون الأساس» للقدس، أدى لاحقًا إلى فرض إسرائيل نظام «الإقامة الدائمة». ففي تلك الفترة، أجرت السلطات الإسرائيلية إحصاءً أعطت بموجبه وضعية «الإقامة الدائمة» لنحو 66.000 مقيمًا وجدوا جسديًا في مدينة القدس، بينما خسر الذين لم يتواجدوا في مدينة القدس وقت الإحصاء حقهم في الإقامة في مدينة القدس.
أُدخل في سنة 2003 تعديل على قانون الجنسية حظر على الفلسطينيين حاملي الإقامة الدائمة، والمتزوجين بفلسطينيات من الضفة الغربية أو غزة، تقديم طلب لمّ شمل العائلة كي تتمكن زوجاتهم من الحصول على الإقامة في مدينة القدس. وبالتالي، أُجبر العديد من أصحاب الإقامات الدائمة الذين مُنعوا من لمّ شمل عائلاتهم ولا يستطيعون الإقامة « قانونيًا» في مدينة القدس مع عائلاتهم، على الانتقال إلى مناطق يحافظون فيها على حقوق إقامتهم من خلال تطبيق شروط «قانون الدخول إلى إسرائيل»، أو سيتعرضون لخطر خسارة إقاماتهم إذا ما سكنوا خارج حدود مدينة القدس. تعد كفر عقب واحدة من هذه المناطق، ورغم أنه تم إقصاؤها خارج الجدار وحاجز قلنديا، إلا أنها تقع ضمن حدود بلدية القدس وفقًا لترسيم الحدود الإسرائيلي، فإنها توفر قاعدة قانونية للعائلات على اختلاف أوضاعهم القانونية من أجل العيش معًا.
يعتبر بناء الجدار عقب الانتفاضة الثانية الضربة الأكثر دراماتيكية من بين الضّربات التي ألحقها الاحتلال الاسرائيلي بكفر عقب. ومع ذلك يجب التأكيد على أن بناء الجدار، وإن كان مدمِرًا بشكل خاصّ، إنما هو مجرد حلقة أخرى من الهجوم الاستعماري على القرية، والذي هو جزء لا يتجزأ من مساعي الاحتلال لتطهير القدس عرقيًا من سكانها الأصليين، وهي عملية مستمرة منذ نكبة عام 1948 .
بقيت كفر عقب خارج الجدار، أي أنها أصبحت معزولة عن القدس، ولكن بقي الجزء الأكبر من أراضي كفر عقب رسميًا وقانونيًا ضمن منطقة نفوذ بلديّة الاحتلال في القدس، ولم يتم تقسيمها إلى مناطق (أ، ب، ج) حسب «إتفاقية أوسلو» كما تمّ تقسيم الضفة الغربية، بل بقيت القرية في التصنيف الذي كانت عليه ما قبل الاتفاقية. وبالتالي، بقيت منطقة كفرعقب تحت سلطة بلدية الاحتلال رسميًا وقانونيًا، ولكن دون تطبيق سلطة فعلية تنفيذية على أراضيها؛ وكذلك لا تستطيع أجهزة أمن السلطة الفلسطينيّة تطبيق القانون فيها بحكم اتفاقيات أوسلو التي تمنعها من ممارسة أي سلطة على مناطق القدس ومناطق ج والتي تشكل 63 % من أراضي الضفّة الغربية. وهي أيضًا على صعيد مستوى المعيشة والاقتصاد مرتبطة بالضفة الغربية وخارجها في آن واحد .
صوتت الهيئة العامة للكنيست، على مشروع قانون «القدس الموحدة» والذي يقضي بعزل أحياء فلسطينية عن المدينة المحتلة، وينصّ قانون أساس «القدس الموحدة»، على أن أي مفاوضات حول انسحاب الاحتلال من القدس منوط بمصادقة غالبية تصل إلى 80 عضوًا من الكنيست. لكن بندًا آخر في هذا القانون ينصّ أيضّا على إمكانية إلغاء هذا البند إذا أيدت ذلك أغلبية عادية من 61 عضوًا من الكنيست.
يهدف القانون الذي يدفعه الوزراء نفتالي بينيت وزئيف إلكين إلى التحضير لاتخاذ خطوات بالمستقبل تقضي بإخراج مخيم شعفاط وكفر عقب في شمال القدس المحتلة عن منطقة نفوذ بلدية الاحتلال، وإنشاء سلطة محلية تضمهما وتابعة للاحتلال، يحمل فيها السكان الفلسطينيون مكانة الإقامة كباقي الفلسطينيين في القدس.
تأتي كفر عقب كنموذج جديد يضاف لأنواع الترانسفير، كيف تحوّلت القرية إلى مخيّم، وتحوّل المخيّم إلى نشاط مستمر يُعاد إنتاجه مع إعادة إنتاج المُسبّب الرئيس له: الاستعمار. فالمخيّم، هو الناتج الأكثر دلالة على نكبة فلسطين بداية، وعلى استمراريتها.
ووجود «الخيمة» (بالمعنى الماديّ) لم يعد شرطًا لوجود المخيّم التقليدي المرتبط بوجود الخيمة. فبعد مرور 70 عامًا، غدت عمليّة التهجير تتم بطرق أكثر ذكاءً وخبثًا. وفي المقابل، غدت غزارة وكثافة العمران متعدّد الطوابق والمتلاصق ببعضه، شكلاً آخر من أشكال المخيّم الحديث في فلسطين. المخيم ناتج ظرف سياسي وممارسات استعمارية مهما تغيّر شكل العمران فيه، ويبقى السبب والنتيجة واضحين وكامنين في جوهر الصهيونية: الاحتلال.


التعليقات : 0