غزة/ محمود عمر
فاجأ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الشعب الفلسطيني الذي كان يتوقع ذوبان إجراءاته العقابية ضد قطاع غزة، بفرض استقطاع جديد على رواتب موظفي السلطة الشق العسكري، ملقياً بالوضع الاقتصادي المتردي أصلاً إلى هاوية لا يعرف عقباها. وعمت مظاهر الصدمة في أوساط المئات من موظفي السلطة -الشق العسكري- في غزة، الاثنين الماضي، خلال توجههم لاستلام رواتبهم عبر البنوك، بعد اكتشافهم زيادة قيمة الخصومات على رواتبهم الشهرية لتتجاوز الـ50 بالمائة .
وكانت السلطة فرضت خصم بنسبة 30% من قيمة رواتب موظفيها في غزة (العسكريين والمدنيين) منذ شهر أبريل/ نيسان 2017 وذلك ضمن سلسلة الإجراءات العقابية التي اتخذها عباس بحق سكان القطاع المحاصر منذ أكثر من 11 عاماً.
ودافع مركز الإعلام الأمني التابع للسلطة الفلسطينية عن الخصومات الجديدة التي أجرتها السلطة على رواتب الموظفين، وقال إنها جاءت استنادا إلى قانون التقاعد المبكر بمرسوم رئاسي، موضحاً أنه سيتم دفع الفروقات بين راتب التقاعد والراتب الرسمي للعسكريين على دفعات خلال الأشهر المقبلة.
وأوضح المركز في بيان توضيحي، أول من أمس، ردا على ما تناقلته العديد من وسائل الاعلام حول الخصومات التي تم اقتطاعها من رواتب العديد من العسكريين في غزة والضفة، أنه تم خصم علاوة الرتبة لمن تقاعدوا على رتبة أعلى بعد استكمال اجراءات التقاعد، كما تم خصم علاوة الزوجة لثلاثة أشهر بأثر رجعي للعسكريين المتزوجين من عاملات، معتبراً ذلك "إجراء قانونياً".
ونوه إلى أن الخصومات ستطال رواتب عدد آخر من منتسبي المؤسسة الأمنية الذين حصلوا على استحقاقات زائدة عن الراتب، لافتا إلى أنه على كافة العسكريين الذين يرغبون في استيضاح ما طرأ على رواتبهم من تغيير التواصل مع الادارة المالية العسكرية.
عقوبات تدفع للتسول
وأسود وجه الموظف مراد عطية (57 عاماً) واحترق غضباً عندما أخرج له الصراف الآلي 350 شيقلاً من أصل 3800 شيقلاً كراتب شهري.
ضرب عطية كفاً بكف وقال لـ"الاستقلال": "لم يعد أمامنا سوى التسول في الطرقات، اعتقدنا أن المصالحة ستعيد حقوقنا وستزيل العقوبات علينا بإعادة الخصم 30% الذي فرضته السلطة علينا في إبريل 2017، ولكن زادت هذه العقوبات ولم يتبق من رواتبنا سوى الفتات".
وأضاف معدداً مشاكله الحياتية: "لدي ثلاثة أبناء في الجامعات، وزوجتي مريضة بالسرطان، وأعيل والدتي المسنة التي تحتاج إلى علاج مستمر لمرض القلب، فماذا أفعل بـ350 شيقلاً؟".
ولفت عطية النظر إلى أن موظفي السلطة أعلنوا مراراً وتكراراً استعدادهم للعودة إلى أماكنهم الوظيفية، مضيفاً "لكن المشكلة ليست فينا، المشكلة في استمرار الانقسام ونحن الطرف الأكثر تضرراً بسبب قرار استنكافنا الذي أقره الرئيس عباس عام 2007".
جريمة بحق الموظفين
واعتبر نقيب الموظفين العموميين في السلطة بقطاع غزة، عارف أبو جراد، هذه الخصومات الجديدة "جريمة بحق الموظفين"، مؤكداً أن الخصومات على رواتب الموظفين وصلت إلى 50%، فضلاً عن الخصومات التي تجريها البنوك لأصحاب المرابحات والقروض.
وقال أبو جراد لـ"الاستقلال": "وزارة المالية في رام الله لا تفصح بشكل واضح عن الأسباب والمبررات القانونية خلف هذه الخصومات، إذ تفاجأنا بها دون سابق إنذار، وهذا إهانة واضحة لكرامة الموظف".
وبيّن أن الموظفين العسكريين اعتقدوا في البداية أن هذه الخصومات نالت ممن حصلوا سابقاً على علاوات إدارية في شهر يناير الماضي، ولكن بعد ذلك اتضح أن الخصومات طالت موظفين لم يحصلوا سابقا على علاوات.
وأشار أبو جراد إلى أن الموظفين لن يستطيعوا تحمل هذه الخصومات دون تحرك، منوهاً إلى أنه سيتم عقد اجتماع قريب لنقابة موظفي السلطة بغزة لتدارس تداعيات الأزمة ولوضع برنامج احتجاجي تصعيدي خلال الأسبوع الجاري والمقبل.
أقوال لا أفعال
من ناحيتها، اعتبرت حركة المقاومة الإسلامية حماس هذه الخصومات، استمراراً للعقوبات التي يفرضها الرئيس عباس على الشعب الفلسطيني والتي تستهدف الاقتصاد المحلي بشكل مباشر.
وقال المتحدث باسم حماس حازم قاسم لـ"الاستقلال"، إن فرض المزيد من الخصومات على رواتب السلطة، يعني بشكل واضح أن قيادة حركة فتح بزعامة محمود عباس، لم تأخذ قرارها بالمضي في طريق المصالحة، وهذا يعني أيضاً أنها غير جاهزة لإنهاء الانقسام وتقديم خطوات ملموسة لتحسين ظروف هذا الشعب الحياتية والاقتصادية.
وبيّن أن حركته لا ترى تحركات الحكومة لدمج موظفي غزة تولي مسؤولياتها في القطاع سوى في وسائل الإعلام من خلال التصريحات الإعلامية، مضيفاً: "حتى اللحظة لم تنتقل تصريحات الحكومة من مربع الأقوال إلى مربع الأفعال".
واتهم الناطق باسم حماس السلطة بأنها غير مهتمة بتحسين ظروف حياة المواطنين بغزة، مؤكداً أن إجراءاتها تزيد بشكل كبير من الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع.
وكان عضو المكتب السياسي لحركة حماس د. خليل الحية، قال إنه تم تشكيل لجنة ثلاثية من حماس وفتح والمخابرات المصرية للإشراف على تنفيذ بنود اتفاق المصالحة الفلسطينية، مشيراً إلى أن حركته اقترحت على مفوض الأمم المتحدة للشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، انضمام الأمم المتحدة إلى هذه اللجنة لتصبح رباعية، للإشراف على تنفيذ المصالحة.
لا فائدة للجنة
من ناحيته، اعتبر المحلل السياسي أحمد عوض، أن لا فائدة لتشكيل مثل هذه اللجان في الوقت الذي يستمر به طرفا الانقسام بالتمسك بمصالحهما الخاصة في إدارة ملف المصالحة والتي تلقي بظلالها السلبية على حياة المواطنين.
وقال عوض لـ"الاستقلال": "لا أجد هدفاً واقعياً لتشكيل لجنة ثلاثية بين حماس وفتح ومصر، إذ أن المصالحة برمتها هي عبارة عن محادثات ثنائية بين الطرفين برعاية مصرية، فماذا سيختلف تشكيل اللجنة بين الأطراف الثلاثة عما هو سارٍ على أرض الواقع؟".
واعتبر أن فرض المزيد من العقوبات على قطاع غزة والخصومات على موظفيها، يدلل على أن السلطة لا تزال تناور حركة حماس فيما يتعلق بملف المصالحة وتدفعها نحو تقديم المزيد من التنازلات.
وأضاف عوض: "الخصومات الجديدة يعني أنه لا يتوافر إرادة حقيقية لتحقيق المصالحة التي تعني بشكل واضح إنهاء الانقسام بما يؤدي إلى تحسين حياة المواطنين، ولكن حتى اللحظة لم يحدث أي من هذا، وكان الأصل أن يتم تحييد رواتب الموظفين واحتياجات الغزيين عن التجاذبات والخلافات السياسية".


التعليقات : 0