غزة/ قاسم الأغا:
توترٌ جديد يخيّم على ملف المصالحة الفلسطينية "الشكلية"، بعد الانفجار الذي تعرض له موكب رئيس حكومة الوفاق الوطني رامي الحمد الله، الذي وصل قطاع غزة أمس الأول، في زيارة "خاطفة"؛ لافتتاح محطة معالجة المياه العادمة شمال القطاع .
وتعرّض موكب "الحمد الله" بعد عبوره مئات الأمتار قادمًا من معبر بيت حانون شمال قطاع غزة إلى تفجير عبوّة ناسفة؛ أدى إلى إلحاق أضرار مادية بـ 3 سيارات في مؤخرة الموكب، وإصابة عدد من عناصر الأمن المرافقين له، نُقلوا على عَجل إلى مشافي رام الله لتلقّي العلاج.
هذا التوتر سرعان ما ارتفعت حدّته، عقب توجيه السلطة الفلسطينية وحركة "فتح" أصابع الاتّهام لحركة "حماس"، وتحميلها المسؤولية المباشرة، بعد دقائق عدّة من وقوع الانفجار، على الرغم من عدم تكشّف خيوط وملابسات هذه الجريمة بعد.
الاتّهام الأبرز جاء على لسان رئيس السلطة و"فتح" محمود عباس، إذ وصف ما تعرض له موكب "الحمد الله"، الذي ضمّ مدير جهاز المخابرات العامة اللواء ماجد فرج بـ"الجريمة المُدانة"، محملاً ما أسماها "حكومة الأمر الواقع في غزة المسؤولية كاملة عن هذه الجريمة".
وقال عبّاس: "هذه جريمة مخطط لها ومعروفة الأهداف والمنفذين"، مضيفًا أنها "تنسجم مع كل المحاولات لإفشال المصالحة، والتهرب من تمكين الحكومة الفلسطينية من ممارسة عملها في قطاع غزة، كما تلتقي مع الأهداف المشبوهة لتدمير المشروع الوطني، بإقامة دولة مشبوهة في القطاع وعزله عن الضفة الغربية".
وفيما أدانت حركة "حماس" حادث التفجير، واستهجنت ما وصفته "الاتّهامات الجاهزة" من قبل السلطة و"فتح" للحركة.
وقال رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" إسماعيل هنية إن: "الحادث وعملية التفجير التي تعرض لها موكب الحمد الله تستهدفنا جميعا، ويجب أن يزيدنا إصرارًا وتمسكًا بخيار المصالحة".
ودعا "هنية" حركة "فتح" إلى "عدم التسرع في اتهام حركته بالوقوف وراء الحادث، والتحلي بالمسؤولية الوطنية، ومغادرة مربع المناكفة والجزافية في توزيع التهم".
وأكّد أن "حماس ومن منطلقها الوطني والأخلاقي والإنساني تفرق بين الاختلاف السياسي والتباين في المواقف فيما يتعلق بأداء الحكومة وممارستها بشأن تطبيق تفاهمات المصالحة وإنهاء أزمات ومشاكل غزة، وبين مثل هذه الأحداث المعزولة والمرفوضة وطنيًا".
كما أدانت قوى وفصائل وأوساط فلسطينية واسعة، ما تعرّض له موكب رئيس حكومة الوفاق الوطني، بعد دخوله قطاع غزة، عبر حاجز بيت حانون.
واتهمت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الاحتلال وعملاءه بالوقوف خلف هذا "الاعتداء" .وقال داود شهاب مسؤول المكتب الإعلامي للحركة: "إن الاعتداء الآثم الذي تعرض له موكب الدكتور رامي الحمد الله مرفوض ومدان ومستنكر بأشد العبارات".
وفي تصريح وصل "الاستقلال"، أضاف شهاب: "لا يمكن تفسير الحادث إلّا في سياق استهداف وحدة الشعب الفلسطيني والعمل على تعميق المأزق الداخلي، وهذا التفجير الآثم تقف خلفه أيادي الاحتلال عبر عملائه "، داعيًا إلى "سرعة التحقيق في الحادث الخطير وكشف خيوطه الإجرامية".
هذا الحدث وما أعقبه من مجريات فتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول مصير المصالحة بين طرفي الانقسام برعاية القاهرة، التي ما زالت توفد وفدًا أمنيًا مصريًا إلى القطاع، في إطار استكمال متابعة تنفيذ الاتفاق الموقع في 12 أكتوبر من العام 2017.
استهداف المصالحة
ويرى الكاتب والمحلل السياسي حمزة أبو شنب، أن عملية التفجير التي لحقت بموكب "الحمد الله" تأتي في سياق "استهداف المصالحة الفلسطينية ومسارها"، رابطًا بين هذا الاستهداف، وما سبقه من استهداف لقائد قوى الأمن في قطاع غزة اللواء توفيق أبو نعيم في 26 أكتوبر/ تشرين أول 2017.
ويقول أبو شنب لـ"الاستقلال": "قد يتضرر مسار المصالحة المُتعثر خلال المرحلة القادمة"، مستدركًا: "ولكن لن تتراجع حركتا فتح وحماس عن المسار برمته"، معتبرًا أن "الاحتلال مستفيد من الجريمة بكل الأحوال".
ويضيف أنه "ثمّة انزعاج من الدور المصري في المصالحة والعلاقات المصرية الحمساوية المتطورة؛ لذلك تسعى الأطراف المتضررة لضرب أي جهد يصب في هذا الاتجاه".
ويعتقد أنه "لا مصلحة لأي من الأطراف السياسية الفلسطينية في تنفيذ التفجير حتى التي على خلاف شديد مع فتح"، إلا أنه لفت إلى "وجود متضررين من المصالحة أو من الحكومة في رام الله"، كما قال.
ومن الناحية الأمنية، يلفت الكاتب أبو شنب، إلى أن حالة التفجير "تمثل ضربة للواقع الأمني في قطاع غزة وتتحمل الأطراف الأمنية كافة المسؤولية وعليها ملاحقة مرتكبي التفجير".
ويصف منطقة التفجير بـ "الرخوة من الناحية الأمنية"، وما سهّل عملية التنفيذ "وجود مساحات من الأراضي الفارغة والزراعية وتواجد سكاني غير مكثف".
ويذكر أن منطقة تفجير موكب "الحمد الله" شهدت في أكتوبر عام 2004 عملية تفجير جيب لعناصر من المخابرات الأمنية (التابعة للسلطة)، إضافة لمحاولات زرع عبوّات للرئيس الأمريكي السابق كارتر في 2010.
ويرى أن "إزالة نقطة 4/4 الخاصة بالأمن في قطاع غزة (على مقربة من حاجز بيت حانون/ "إيرز") ساهمت في إضعاف المنطقة أمنياً، وتفلت بعض العناصر والهروب تجاه العدو، واستغلال العدو لشح الموارد الأمنية للعاملين على حاجز بيت حانون لتهريب معدات وأدوات للقطاع"، بحسب أبو شنب.
انعكاس سلبي
ويتفّق الكاتب والمحلل السياسي محمد حجازي مع سابقه "أبو شنب" في أن تفجير موكب "الحمد الله" سينعكس بشكل سلبي على ملف المصالحة الوطنية.
ويقول حجازي لـ"الاستقلال": "إن تأثير هذا التفجير على ملف المصالحة عميق، وما لم تسارع حركة حماس بإلقاء القبض على الفاعلين ستكون الأمور معقدة وصعبة جدًا".
ويُشير إلى أن أطرافًا لا تريد للمصالحة أن تُستكمل، أولها الاحتلال الإسرائيلي، الذي يسعى إلى فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، والمسّ بالتمثيل السياسي للفلسطينيين، وتعميق الانقسام".
ويستبعد أن تُقدم السلطة الفلسطينية على اتّخاذ إجراءات "عقابية" جديدة ضد غزة على خلفية حادث تفجير الموكب، على الرغم من "الأحاديث الانفعالية" الصادرة من بعض قادة السلطة.
وينوّه إلى أن "المستهدف أيضًا من حادث التفجير الدور المصري الراعي لملف المصالحة، فهناك من لا يريد لمصر أن تحقق إنجازًا فيها بعد الحديث عن تقدم ملموس في هذا الملف، خصوصاً ما هو متعلق بملف الموظفين".
رغبة الشعب
بدوره، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي حسن عبدو على ضرورة أن تدفع إرادة القيادات السياسية الفلسطينية لجهة الاستمرار في مسار المصالحة؛ تحقيقًا لرغبة الشعب الفلسطيني.
إلّا أن عبدو وفي حديث لـ"الاستقلال" يشير إلى وجود "تخوّفات" من أن يُغلق هذا التفجير ملف المصالحة بشكل كامل، من خلال وضع اشتراطات جديدة، والمطالبة بتمكين أمني شامل.
ويتابع: "الأمور تتجه نحو ما هو أشبه بالقطيعة؛ لأن ما جرى ربما يكون عاملاً قويًا لوقف مسار المصالحة".
ويضيف: "تداعيات هذا الحادث يمكن أن تذهب باتجاه إعادة تعريف قطاع غزة، بوصفه مكانًا تحكمه جماعات مسلّحة، وبالتالي يصبح القطاع مشكلة إقليمية ودولية، وهنا تكمن المخاطر الجمّة".
ويُلمح إلى إمكانية اتخاذ السلطة "عقوبات" جديدة على القطاع للضغط على "حماس"، كما يعتقد رئيس السلطة محمود عباس.


التعليقات : 0