نجلاء أبو شلبك
حاولت الكاتبة إيلا شوحط في مقالتها « اليهود الشرقيون في إسرائيل: الصهيونية من وجهة نظر ضحاياها اليهود» أن تكون أكثر نقدية إذ أنها اليهودية الشرقية من أصل عراقي الساخطة على خدعة الصهيونية التي تزعم أنها حركة تحرر لجميع اليهود، إلا أنّ الواضح للعيان هو أنها حركة تخص اليهود الأشكينازيين المتحضرين، ولكنها في ذات الوقت تفترض أنها تعبّر عن اليهود الشرقيين أيضًا.
تزعم شوحط أن الصهيونية لم تضطهد الفلسطينيين فحسب، ولكنها اضطهدت أيضًا اليهود الشرقيين وإن كان ذلك بآليات أكثر خبثًا وأقل عنفًا ووحشية، فقد عملت الصهيونية على خلق اضطهاد بنيوي موجه ضد اليهود الشرقيين. ورغم الصراع القائم في إسرائيل بين الشرق والغرب، إلا أن هناك صراعًا إضافيًا يتمثل في العلاقة بين العالمين الأول والثالث على اعتبار وجود صلات بنيوية تربط إسرائيل بالعالم الثالث، فمن حيث الديمغرافيا تعد الأكثرية السكانية في إسرائيل من العالم الثالث أو تعود أصولها إلى العالم الثالث بنسبة 90% ( 20% الفلسطينيون في إسرائيل، 50% يهود مزراحيين أي تعود أصولهم إلى دول عربية وهي بالأساس دول عالم ثالث، و 20% سكان الضفة الغربية وقطاع غزة)، وبالتالي يعد الأشكينازيون أقلية عددية بنسبة 10% إلا أنّ الهيمنة في إسرائيل تعود لهم، ويظهر اليهود الشرقيون كأمة شبه مستعمرة داخل أمة أكبر على حد قول شوحط.
تؤكد شوحط على أن التمييز ضد اليهود الشرقيين بدأ من لحظة القدوم إلى إسرائيل، وتبع ذلك اضطهاد في المعسكرات «المعبروت» التي وضعوا فيها، ونتيجة ذلك تشكلت البنية الاجتماعية الاقتصادية على أساس توزيع غير متساوٍ للمنافع بطريقة ممنهجة. وحتى أن الحكومة الإسرائيلية كانت قادرة أحيانًا على التحايل بشكل رسمي وقانوني لتحقيق مصالح الفئة الأشكينازية ومن ذلك حادثة خطف الأطفال اليمنيين، وما يرمز ذلك إلى أنّ الشرقيين لا يصلحون ليكونوا آباء إذ أنهم عديمو المسؤولية. ولم يقتصر الاضطهاد ضد الشرقيين على مراحل الهجرة والسكن في المعبروت، بل تبعها اضطهاد أعمق وممنهج أكثر في بلدات التطوير «عيروت هبيتواح «، فموقعها قريب من مواقع حدودية تعد هدف الهجمات العربية، وتفتقر إلى البنية التحتية للحماية، وفي ذات الوقت تستمر علاقة التبعية والاستغلال بين الكيبوتسات وبلدات التطوير. وحتى لو أُنصِف اليهود الشرقيون في المسكن وموقعه، يبقى التمييز في الأعداد الكبيرة من العائلات التي تُجمَع بنفس المسكن. إضافة لاستغلال القوى العاملة المزراحية لتنمية الاقتصاد الإسرائيلي كما في قطاعات البناء والزراعة والصناعة. وفي حين تزداد حياة المزراحي بؤسًا على بؤس، فإن الأشكينازي يواصل الصعود في السلم الاجتماعي. ولا يقتصر الأمر على الجوانب الاقتصادية والسياسية عند التمثيل في مراكز السلطة، بل يمكن أن يُعد التعليم كأداة للتمييز وعدم المساواة والتسهيلات الحاصلة عن طريق إعادة إنتاج الانقسام العرقي للعمل الذي يوجه الأشكينازيين للأعمال المهمة، ويوجه المزراحيين نحو المهن للأعمال الأقل أهمية.
ترى شوحط بأن على المزراحي المتخلف أن يجتاز العتبة ليستطيع الدخول للمجتمع الإسرائيلي المتحضر المتمثل بالنخبة الأشكينازية ويتم ذلك عن طريق قبوله للمجتمع القائم وحياته وثقافته وتخليه عن تقاليد مجتمعه السابق المتخلف الذي أتى منه. ويتفق هذا الرأي لشوحط مع مواقفها الثورية التي تحاول عادة أن تثور على الرواية الإسرائيلية السائدة وتنقدها. ومن هنا تؤكد شوحط أن الثورة المزراحية استمرت تحت مظاهر ومطالب متعددة « كالخبز والعمل « و» ضحد البؤس والتمييز «، إلا أن كل هذه الثورات لاقت قمعًا واضطهادًا من الحكومة حيث وصفت بأنها إرهاب وتمرد ضد الحكومة ومساس بمسألة الأمن القومي. ورغم العنف والإرهاب العسكري الذي مورس ضد المزراحيين إلا أنه كان بدرجة أخف من العنف الممارس ضد الفلسطينيين.
تنتقد شوحط فكرة بوتقة الصهر التي صورتها الصهيونية بمثابة أسطورة مشرّفة تنسب للمجتمع الإسرائيلي، وتؤكد أنّ هذه الأسطورة فشلت وما هي إلا كذبة حاولت الصهيونية خلقها. ونتيجة كل ذلك حاولت السلطات الإسرائيلية استخدام سياسة العصا والجزرة، وتراوحت هذه السياسة ما بين تغيير في البنى التحتية وصولاً إلى السجن والطرد خارج إسرائيل أحيانًا.
ختامًا، صحيح أن شوحط تبدو ناقدة لمجتمعها وناقدة للاضطهاد والظلم الذي يعانيه اليهودي الشرقي في ظل حكم النخبة الأشكينازية إلا أنها وعلى الرغم من كل هذا فهي لا تتجاوز العتبة، هي تنتقد الرواية الصهيونية السائدة إلا أنها لم تتجرد من عباءة الكُتّاب والمفكرين اليهود وحتى الناقدين منهم، فهي وإن انتقدت الوضع القائم والظلم والاضطهاد إلا أنها لم تذهب بذلك بعيدًا. إضافة إلى أنّ شوحط ورغم إقرارها بمدى عذاب الفلسطينيين إلا أنها تراه مشابهًا لعذاب اليهود الشرقيين ولكنها تحاول إظهار معاناة الشرقيين بشكل أكبر وأعمق، ولكنها تؤكد على أنها لا تطلب التعاطف مع اليهود الشرقيين في مثل هذا التشابه، لكنها ترغب في إيجاد بدائل لكونهم أشخاصاً يقع عليهم الفعل وليسوا فاعلين. وربما يكون نقد شوحط صحيحاً أنّ اليهود الشرقيين قد عانوا من الظلم والاضطهاد وهو ما تحاول شوحط قوله وكسب العطف على عكس ما تدعيه، إلا أنّ الفلسطينيين قد عانوا من اضطهاد أعمق وأكثر عنفًا ومنهجية، ولكن يشعر القارئ للنص بأن اليهود الشرقيين هم أكثر فئة تعرضت للاضطهاد، صحيح أنه لا يوجد إنكار لمعاناة الفلسطينيين إلا أنه يوجد محاولة للفت النظر لمعاناة اليهود الشرقيين. تعد إسرائيل مشروعًا استعماريًا استيطانيًا مكوّنًا من الأشكيناز والشرقيين وبالتالي لا يمكن إلقاء اللوم على الأشكينازيين فقط كقتلة للفلسطينيين، فالشرقيون هم داخل هذه المنظومة الصهيونية، وهم ليسوا أبرياء من دم الفلسطينيين.


التعليقات : 0